كما أن الاستقراء المتأني لأحداث السقيفة قد أوضح وبقوة في أثناء المؤتمر
وبعده وجود تيار قوي ومتماسك تبنته جملة من وجوه الصحابة ومتقدميها ،
وعمدت إلى التذكير بوجوده والإجهار به ، ولو قادهم هذا الأمر إلى الاقتتال دون
تنفيذه ، وذاك الأمر هو الإصرار على إيكال أمر الخلافة إلى علي بن أبي طالب ( عليه السلام )
دون غيره ، رغم ابتعاده ( عليه السلام ) عن ساحة الاعتراك وميدان التنازع في تلك السقيفة .
ولعل تمسك هذه الثلة من الصحابة بموقفها من بيعة الإمام دون غيره هو ما
دفع بعض المؤرخين إلى الذهاب بأن التشيع كان وليد هذا المؤتمر ونتاج مخاضه ،
وأن يليهم آخرون يتعبدون بهذا الرأي ويرتبون من خلاله تصوراتهم وأفكارهم ،
فيتشعب ذلك إلى جملة واسعة من المتبنيات غير الواقعية والقائمة على أرض واسعة
من الأوهام والاسترسال غير المنطقي .
ولعل هذا التصورات تعتمد في فهمها أساسا لمبدأ نشأة التشيع على ما رواه
الطبري وغيره عن مجريات هذا المؤتمر وما ترتب عليه من نتائج ، دون أن تمد
بصرها إلى أبعد من هذه النقطة اللامعة التي أعمتهم عن التأمل في أبعادها .
قال الطبري : اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ،
فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا :
منا أمير ومنكم أمير ، فقال أبو بكر : منا الأمراء ومنكم الوزراء - إلى أن قال : -
فبايعه عمر وبايعه الناس ، فقالت الأنصار - أو بعض الأنصار - : لا نبايع إلا عليا .
ثم قال ( أي الطبري ) : أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير
ورجال من المهاجرين ، فقال : والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة :
فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر ، فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه
فأخذوه .
وقال أيضا : وتخلف علي والزبير ، واخترط الزبير سيفه وقال : لا أغمده حتى
أضواء على عقائد الشيعة الإمامية — صفحة 61
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٦١