والذي لا يتطرق التغيير إليه هو الثاني دون الأول ، وأن القول بسيادة القدر على
اختيار الإنسان في مجال الطاعة والمعصية ، قول بالجبر الباطل بالعقل والضرورة
ومحكمات الكتاب . ومن جنح إليه لزمه القول بلغوية إرسال الرسل وإنزال الكتب
{ ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار } ( 1 ) .
وكما أنه سبحانه يداه مبسوطتان ، كذلك العبد مختار في أفعاله لا مسير ، وحر
في تصرفاته ( 2 ) لا مجبور ، له أن يغير مصيره ومقدره بحسن فعله وجودة عمله ،
ويخرج اسمه من الأشقياء ، ويدخله في السعداء ، كما أن له أن يخرج اسمه من السعداء
ويدخله في الأشقياء بسوء عمله .
فالله سبحانه كما يمحو ويثبت في التكوين ، فيحيي ويميت ، كذلك يمحو مصير
العبد ويغيره حسب ما يغير العبد بنفسه ( فعله وعمله ) لقوله سبحانه : { إن الله لا
يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ( 3 ) ، كل ذلك لأجل أن يديه مبسوطتان ،
وأن العبد حر مختار ، قادر على تغيير القضاء ، وتبديل القدر ، بحسن فعله أو سوئه ،
كما دلت عليه الآيات والروايات .
وليس في ذلك أي محذور ولا مخالفة للعقل ولا الكتاب والسنة ، بل تغيير
القضاء بحسن الفعل وتغيير القدر بسوئه ، هو أيضا من قدره وقضائه وسننه التي
لا تبديل لها ولا تغيير ، فالله سبحانه إذا قدر لعبده شيئا وقضى له بأمر ، فلم يقدره
ولم يقض به على وجه القطع والبت ، بحيث لا يتغير ولا يتبدل ، بل قضى به على
وجه خاص ، وهو أن القضاء والقدر يجري عليه ، ما لم يغير العبد حاله ، فإذا غير
هامش
( 1 ) ص : 27 .
( 2 ) لا يخفى أن المقصود من أفعال الإنسان التي تثبت اختياره فيها هي الأفعال التي تتعلق بها التكاليف لا
الأفعال القهرية التي تصدر من جهازه الهضمي مثلا .
( 3 ) الرعد : 11 .