إن « هذا التنوع لا يدل على تعدد هذه الصفة ، بل على أنها تكثير باختلاف المتعلقات كبقية الصفات . فهي قديمة والحدوث إنما هو في المتعلقات والإضافات . فمثلًا إن تعلقت [ صفة الكلام الإلهي ] بطلب فعل سميت ( أمراً ) ، وإن تعلقت بترك فعل سميت ( نهياً ) ، وإن تعلقت بالأخبار عن واقع بالماضيء أو ما يقع في المستقبل سميت ( خبراً ) » « 1 » .
وهذه الازدواجية تكشف لنا أيضاً حقائق باقي الصفات الإلهية ، والذي يهمنا منها هو صفة النور الإلهي .
وبناءً على هذه الحقيقة فإن لصفة النور الازدواجية نفسها من حيث علاقتها بالذات من جهة والعالم من جهة أخرى ، أي : أن لصفة النور الإلهي القديم الذي لا هو الذات ولا هو غيرها مظهراً حادثاً تجسد في هيئة وجودية ، فكان مقابلًا للذات بما يناسبها من الإطلاق النوراني ومقابلًا للعالم ، بما يناسبه من التحديد الكوني . فكان دور المظهر لصفة النور الإلهي هو الوساطة الوجودية بين الله والعالم ، كما كان دور المظهر لصفة الكلام الإلهي ( القرآن ) هو الوساطة المعرفية بينهما .
وإذا كان المظهر الكلام الإلهي قد تمثل في هيئة الحروف والأصوات ( القرآن الكريم ) ، فإن المظهر لصفة النور الإلهي قد تمثل في هيئة حضرة الرسول الأعظم سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم .
يقول الشيخ عبد الكريم الجيلي قدس الله سره : « إنه أفضل العالم وأشرف الخلق بالإجماع ، لكونه مخلوقاً من نور الذات الإلهية ، وما سواه فإنما هو مخلوقٌ من نور الأسماء والصفات » « 2 » . والمراد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مخلوق من صفة النور الذاتية ، فهو مظهَرُها الذي هو أصل الصفات « فهو الحياة ، والعلم ، والإرادة وغيرها من صفات ذاته عز وجل » « 3 » .
إذ أن هذا المظهر أبرز صفات الله بجمعيتها فيه صلى الله تعالى عليه وسلم ، جامع لصفة السمع والبصر والإرادة والحياة والقدرة والعلم والكلام وباقي الصفات الأخرى .
هامش
( 1 ) - د . عبد الملك السعدي متن النسفية - ص 87 .
( 2 ) - الشيخ يوسف النبهاني جواهر البحار في فضائل النبي المختار صلى الله تعالى عليه وسلم ج 1 ص 453 .
( 3 ) - السيد عبد الأعلى السبزواري مواهب الرحمن في تفسير القرآن ص 103 .