وهكذا انتقلت مشكلة الفلسفة ، التي تتلخص بتفسير صدور الكثرة ، إلى تصوف ابن عربي . آخذة شكل اتفاق الكثرة مع الوحدة في الوجود . فكيف يفسر الشيخ الأكبر وجود الكثرة إلى جانب الوحدة دون أن يتكثر الوجود ؟ هذا يتضح برؤيته للكثرة وموقفه منها .
هل الكثرة موجودة عند ابن عربي ؟ وإن وجدت فما طبيعة وجودها ؟ لا يستطيع الشيخ الأكبر أن ينفي الكثرة المرئية في الوجود ، فهي أظهر من أن تنكر ، كما أنه لم يتخلص منها بجعلها وهما ، لا مستنداً حقيقياً له : إذن : الكثرة موجودة ، ولكن في مراتب وجودية لا تتنافى ووحدة الوجود عنده .
توجد الكثرة في مرتبتين :
الأولى : مرتبة الوجود المعقول ، هي خنا كثرة معقولة [ / كثرة الأسماء الإلهية ] .
والثانية : مرتبة الوجود الظاهر الحسي ، وهي هنا كثرة مشهودة [ / كثرة صور الموجودات / كثرة المظاهر ] .
إذن الكثرة معقولة ومشهودة ، ولكنها ليست موجودة ، كما يفهم الشيخ الأكبر الوجود الحق . وبذلك حافظ الحاتمي وحدته المعشوقة التي هي في الواقع أحدية كثرة .
يقول ابن عربي :
« . . الكثرة معقولة بلا شك ، ولكن هل لها وجود عيني أم لا ؟ فيه نظر .
فمن قال : أن هذه الكثرة الظاهرة في العين ، أحوال مختلفة قائمة بعين واحدة ، لا وجود لها ، إلا في تلك العين ، فهي نسب ، فلا حقيقة لها عينية في الوجود العيني .
ومن قال : إن لها أعياناً لم يقل بالعين الوحدة ، ولا بالظاهر في المظاهر ، لأن الكثير مشهود لا الكثرة . فالكثرة معقولة ، والكثير موجود مشهود . . . » « 1 » .
« . . . فاثبت الكثرة في الثبوت وانفها في الوجود ، وأثبت الوحدة في الوجود وانفها في الثبوت » « 2 » .
هامش
( 1 ) - الشيخ ابن عربي الفتوحات المكية ج 2 ص 501 500 .
( 2 ) - المصدر نفسه ج 2 ص 502 .