أولًا : علم الإشارة لا ينظر إلى قصص الأنبياء في القرآن الكريم على أنها قصص قد انتهت بأنتهاء أممهم ، وأن تلاوتها الآن للعظة والاعتبار فحسب ، وإنما يرون مع ذلك أن الخطاب بها ما زال قائماً يوجه الإنسان في كل عصر وأوان باعتبار مملكة الله الصغرى التي انطوى فيها العالم كله ، فمثلًا يرمزون لموسى بالقلب أو الروح وإلى فرعون بالنفس .
وبذلك يكون القرآن في حالة تجدد نزول لم ينته الخطاب بانتهاء زمانه باعتبار كلام الله وصفته القائمة بذاته ، وتظل بذلك صفة الكلام الإلهي قائمة غير معطلة لم تنته بن - زول الكتب السماوية فما زال الحق سبحانه وتعالى متكلماً أبداً .
ثانياً : علم الإشارة يكشف عن صدق أهله مع ربهم وأمانتهم عند الحديث عن كلامه ، فكل ما قاله القرآن وما تناولته ألفاظه من أداء هو في مذهبهم حقيقة لا يعرفون مجازاً ولا يلجئون إلى كناية ، لأنهم بما شاهدوا وذاقوا يدركون هذه الحقائق . ولما كانت تلك مواجيد وأذواق لا يمكن نقلها إلى الغير بعبارة رمزوا لها وأشاروا ، ومن هنا أنكر عليهم من أنكر ، أما من شاهد مثلهم فقد عرف ما عرفوا ، بل ربما تجدد له من ذلك مشهد أو حقيقة أو مذاق .
وهكذا نرى أن أهل الله أمناء على كلامه ، دفعتهم غيرتهم على محبوبهم ، وعظيم احترامهم لجنابه ، وإكبارهم لكلامه ألا يميلوا عن منطوق ألفاظه إلى مجاز أوكناية خشية البعد عن مراده .
ولِمَ اللجوء إلى المجاز ما دام للحقيقة عندهم مخلص ؟ فهم لا يرون في قوله سبحانه وتعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 1 » ، إن السؤال لأهلها فحسب بتقدير مضاف كما قيل أي واسأل أهل القرية ، وإنما السؤال للقرية بكل ما فيها ومن فيها ما داموا يشاهدون تسبيح الجماد ونطق الحيوان .
واقرأ إن شئت قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
« 2 » ، وقوله :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
« 3 » ، وقوله في حق السماء والأرض :
هامش
( 1 ) - يوسف : 82 .
( 2 ) - الإسراء : 44 .
( 3 ) - سبأ : 10 .