[ تفسير صوفي ] : في تأويل قوله تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
« 1 » .
يقول الباحث محمد غازي عرابي :
« سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ، فسأله سبحانه :
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ
، قال :
بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
« 2 » ، وتربط الآية الأولى بين ذكر الله وطمأنينة القلب ، وتجعل الذكر طريقاً إلى الطمأنينة . والذكر الحقيقي هو المفضي إلى الفناء ، أو إلى مشابهة الاتحاد ، عندما يتجلى الله فيفنى كل ظاهر ، ويظهر كل باطن ، وإذا الباطن واحد ، وقد عم كل ظاهر . وعندما يرى الذاكر ذلك بعين قلبه ، أي بعين باطنه ، ويرى أن باطنه مرآة باطن الحق ، يستريح إلى الواحد الأحد مالئ الدنيا وشاغل الناس سواء أدرك الناس ذلك أم جهلوا . فكل فعل منه وله به سبحانه ، فينفض الذاكر يديه من نفسه ويطمئن إلى ما قامت نفسه به وهو الحق سبحانه موقناً ومقراً ومتحققاً بقضاء الله خيره وشره منه .
ويدل سؤال إبراهيم عليه السلام على أن الأنبياء تسلك سبل التحقق أسوة ببقية المصطفين بحقيقة مقامات الإسلام والإيمان والإحسان . فإبراهيم عليه السلام تحقق بتخلل الله إياه لكنه ما تحقق بفعله ، ولذلك سأله أن يريه كيف يحيي الموتى ، فبعد التحقق بعمران الله لباطن الإنسان يبقى التحقق بأن الله وراء كل حركة يأتيها الإنسان . فإبراهيم عليه السلام كشف أن الحياة قائمة بالله ، وهي من دونه موات ، وأن الناس موتى بأنفسهم أحياء بالله ، وأن نوم العين وانتباهتها حركة لله وبالله ومن دون الله ما نامت ولا انتبهت . ولما دل الله خليله على كيفية التحقق بالفعل اطمأن قلبه إلى أن لا حركة ولا سكون إلا بأمر ربه » « 3 » .
[ من أقوال الصوفية ] :
يقول الإمام فخر الدين الرازي :
« الاطمئنان : إنما يكون عن ثلج اليقين ، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد » « 4 » .
هامش
( 1 ) - الرعد : 28 .
( 2 ) - البقرة : 260 .
( 3 ) - محمد غازي عرابي النصوص في مصطلحات التصوف ص 210 209 .
( 4 ) - الإمام فخر الدين الرازي التفسير الكبير ج 4 ص 511 .