والعبودية لله تعني : التجرد عن كل ضعف أمام الأغيار ، لأنه يجعل من الإنسان عبداً لغيره عز وجل ، ولذلك يقول الشيخ أبو علي الدقاق : « أنت عبد من أنت في رقه وأسره ، فإن كنت في أسر نفسك فأنت عبد نفسك ، وان كنت في أسر دنياك فأنت عبد دنياك » « 1 » .
ليس اعتراف العبد بعبوديته وربوبية ربه عز وجل هي عبارة عن تصريح باللسان فقط ، بل هو تسليم باللسان والقلب ، وتجسد لهذا التسليم في كل ما يقوم به المرء من أفعال .
والعبودية لا تكون عبودية إلا بتمامها إذ أن نقصانها مثل انتفائها ، لذلك لا تكون العبودية للعبد في حال دون باقي الأحوال ، وإنما العبد الصادق في عبوديته يرى ربوبية ربه سبحانه وتعالى في كل وقت وحال ، والعبد مطالب بالاعتراف بعبوديته وتسليمه بربوبية ربه عز وجل في كل ما هو فيه وما يهم به من قول وفعل . قال الشيخ ذو النون المصري : « العبودية أن تكون عبده في كل حال كما أنه ربك في كل حال » « 2 » .
ولا يكون العبد عبداً صحيحاً حتى ينطق قلباً ، وقالباً ، وسراً و [ جهراً ] عملًا بقول الإمام علي كرم الله وجه : « كفاني فخراً أن تكون لي رباً ، وكفاني عزاً أن أكون لك عبداً ، أنت كما أريد فاجعلني كما تريد » « 3 » .
فالهدف أن يكون المسلم عبداً لله تعالى حقاً وحقيقة ، أي أن يكون عبداً محضاً لا يتأتى حصوله إلا من خلال الطريقة فقط .
لماذا ؟
لأن الطريقة كما تبين هي التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية بظاهرها الفقهي وباطنها الصوفي ، وبما تشتمل عليه أحكام الشريعة من فرائض ونوافل ، فمن المعروف أن فروض الشريعة هي عبادات محددة نوعاً وكماً ووقتاً .
فالصلاة اليومية مثلًا في أوقاتها الخمسة ، وصيام شهر رمضان . ليس المقصود العبادات التي أنزلها الله عز وجل أن تمثل كل ما يجب أن يقوم به الإنسان من واجبات تعبدية تجاه ربه حتى
هامش
( 1 ) - الإمام القشيري - الرسالة القشيرية ص 24 .
( 2 ) - المصدر نفسه ص 99 .
( 3 ) - جمال نصار ، لؤي فتوحي الطريق إلى الطريقة - ص 25 .