وقهراً ، فعلم أنه ليس للزهد قيمة عند العارفين لأنهم يعلمون أن ما قسم لهم لا يصح فيه ترك وما لم يقسم لا يمكنهم أخذه فاستراحوا ، وأيضاً فإن الدنيا كلها لا تزن عندهم جناح بعوضة فكيف يرون الزهد في ذلك مقاماً ؟ وقد اختلفت مشاهد الناس عندنا في مقام الزهد وانشاداتهم ، فمنهم من استصحبه شهود الحق تعالى مع حجابه عن شهود سواه فأنشد :
تجرد عن مقام الزهد قلبي * فأنت الحق وحدك في شهودي
أأزهد في سواك وليس شيء * أراه سواك ياسر الوجود
ومنهم من تخلق بأخلاق الله تعالى ورأى الوجود كله من شعائر الله تعالى ، فلم يزهد في شيء بل استعمل كل شيء فيما خلق له ، وهذا أكمل الكاملين من الأمم . وما كان زهد الأنبياء في الدنيا حين عرضت عليهم إلا تشريعاً لأممهم ، لأن بداية مقامهم يأخذ من بعدها نهاية هؤلاء الأولياء الذين زهدوا في الدنيا والذين لم يزهدوا ، فبالنظر لمقامهم عن أنفسهم لا يزهدون ، وبالنظر لأممهم يزهدون » « 1 » .
ويقول الشيخ ابن قضيب البان :
« قال لي [ الحق ] : من زهد في شيء من الكون ما صحت معرفته فيه » « 2 » .
[ من حكايات الصوفية ] :
يقول الشيخ محمد بن ملا القاري :
« روي في الخبر أن رجلًا دخل على أبي ذر رضي الله عنه في بيته ، فجعل ذلك الرجل يقلب بصره في بيت آبي ذر يميناً وشمالًا ، فقال الرجل : يا أبا ذر ما أرى في بيتك متاعاً ولا شيئاً من الأثاث .
فقال له : إن لنا بيتاً آخر ، ونحن نريد أن نرتحل إليه ، لأنه موضع مقامنا وقرارنا ، فنحن نوجه إليه صالح متاعنا .
فقال له ذلك الرجل : فإنك لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا .
هامش
( 1 ) - الشيخ عبد الوهاب الشعراني كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الجان ص 118 117 .
( 2 ) - د . عبد الرحمن بدوي - الإنسان الكامل في الإسلام ص 198 .