أما خشوع الفناء فهذا شبيه بالضياع ، فالله المتجلي تجلى من داخل ومن خارج .
أما تجليه من داخل ، فلقد محق ظهور اللطيفة الإلهية اللطيفة الإنسانية وأذابتها فيها فكانت هي هي ، فالخشوع هنا للقرب ، ولشدة القرب ، ولضياع ما يمكن أن يُعد ( أنا ) و ( هو ) . أما تجليه من خارج ، فلقد محق التجلي الظاهرات ، وجعل خارجها قائماً بباطنها ، وباطنها هو الله . فالحركة والصفة والصوت والضدية كلها من فعل الله وتأثيره في الظاهرات ، وهذا ما يجعل الخشوع هنا خشوعاً ذاتياً ، أي : فانياً ، أي : رؤية في رؤية . وهذا الخشوع عظيم ، وشديد الوطأة ، ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم لما وصل هذا المقام وعاد إلى أهله :
زملوني زملوني
« 1 » . . .
وترى العارف في خشوع الفناء سكران وما هو بسكران . وبعض العارفين يطيش صوابه ، فيهيم على وجهه مردداً بين الحين والحين : يا هو ، يا هو . . » « 2 » .
[ مسألة - 3 ] : في درجات الخشوع
يقول الشيخ عبد الله الهروي :
« الخشوع وهو على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : التذلل للأمر ، والاستسلام للحكم ، والاتضاع لنظر الحق .
والدرجة الثانية : ترقب آفات النفس ، والعمل ورؤية فضل كل ذي فضل عليك ، وتنسم نسيم الفناء .
والدرجة الثالثة : حفظ الحرمة عند المكاشفة ، وتصفية الوقت من مراءاة الخلق ، وتجريد رؤية الفضل » « 3 » .
[ مسألة - 4 ] : من علامات الخشوع
يقول الإمام القشيري :
« قيل : من علامات الخشوع للعبد : أنه إذا أُغضِبَ أو خُوِّفَ أورد عليه أن يستقبل ذلك بالقبول » « 4 » .
هامش
( 1 ) - تفسير القرطبي ج 19 ص 60 .
( 2 ) - محمد غازي عرابي النصوص في مصطلحات التصوف ص 116 115 .
( 3 ) - الشيخ عبد الله الهروي منازل السائرين ص 29 28 .
( 4 ) - الإمام القشيري الرسالة القشيرية ص 116 .