وعن سهل التستري : لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره ،
وأقوالهم في هذا غير منحصرة ، وفيما أشرت إليه كفاية لمن وفق .
[ فصل ] : اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شئ في فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة
واحدة ليكون من أهله ، ولا ينبغي أن يتركه مطلقا بل يأتي بما تيسر منه ،
3 - لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته : " إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما
استطعتم " .
[ فصل ] : قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم : يجوز ويستحب العمل في
الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعا ( 1 ) .
وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها
إلا بالحديث الصحيح أو الحسن ( 2 ) إلا أن يكون في احتياط في شئ من ذلك ، كما إذا
ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة ، فإن المستحب أن يتنزه عنه ولكن
لا يجب . وإنما ذكرت هذا الفصل لأنه يجئ في هذا الكتاب أحاديث أنص على صحتها
أو حسنها أو ضعفها ، أو أسكت عنها لذهول عن ذلك أو غيره ، فأردت أن تتقرر هذه
القاعدة عند مطالع هذا الكتاب .
[ فصل ] : اعلم أنه كما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله ، وقد تظاهرت
الأدلة على ذلك ، وسترد في مواضعها إن شاء الله تعالى ، ويكفي في ذلك حديث ابن عمر ( 3 )
رضي الله عنهما قال :
هامش
( 1 ) قوله : ما لم يكن موضوعا : وفي معناه شديد الضعف ، فلا يجوز العمل بخبر من انفرد من كذاب ومتهم ،
وبقي للعمل بالضعيف شرطان : أن يكون له أصل شاهد لذلك ، كاندراجه في عموم أو قاعدة كلية ، وأن لا
يعتقد عند العمل به ثبوته ، بل يعتقد الاحتياط .
( 2 ) أي سواء كان ذلك لذاته في كل منهما أو لغيره بان انجبر ضعف ضعيف الحديث الصدوق الأمين بمجيئه
من طرق متعددة ، فصار حسنا لغيره فيحتج به فيما ذكر .
( 3 ) نسبه المؤلف كما ترى إلى ابن عمر ، ولم يذكر من خرجه عنه ، وهو في المسند ، والترمذي ، والبيهقي في
( شعب الايمان ) عن أنس ، والطبراني في الكبير عن ابن عباس ، والترمذي عن أبي هريرة ، وابن أبي
الدنيا ، وأبي يعلي ، والطبراني ، والبزار ، والحاكم ، والبيهقي من حديث جابر ، وقد قال الحافظ ابن حجر
في تخريج الأذكار : لم أجده ، يعني ، الحديث ، من حديث ابن عمر ، ولا بعضه لا في الكتب المشهورة ،
ولا في الاجزاء المنثورة . قال الحافظ السيوطي في ( تحفة الأبرار بنكت الأذكار ) ( 1 ) : قال الحافظ ابن
حجر ى ( أمالي الأذكار ) وإنما وجدته من حديث جابر بمعناه مختصرا ، قال : وأخرج أبو نعيم في
( الحلية ) من طريق يوسف القاضي ، حدثنا محمد بن أبي بكر ، حدثنا زائدة بن أبي الرقاد - في الأصل :
الزنا ، وهو تحريف - حدثنا زياد النميري ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا
مررتم برياض الجنة فارتفعوا ، قالوا : وأين لنا برياض الجنة في الدنيا ؟ قال : إنها في مجالس الذكر ) وأخرج
أبو نعيم أيضا من طريق الحسن بن سفيان ، حدثنا محمد بن أبي بكر ، حدثنا زائدة بن أبي الرقاد ، عن زياد
النميري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر ، فإذا أتوا عليهم حفوا
بهم وبعثوا رائدهم إلى السماء إلى رب العزة سبحانه ، فيقول وهو أعلم : أتينا على عباد من عبادك
يعظمون آلاءك ويتلون كتابك ، ويصلون على نبيك ، ويسألون لآخرتهم ودنياهم ، فيقول : غشوهم
رحمي ، هم القوم لا يشقى جليسهم ) قلت : الظاهر أن الحديثين حديث واحد لاتحاد الرواة ، فجمع
النووي بينهما ، واختصر بقية الحديث ، وأراد أن يقول : حديث أنس ، فسبق قلمه إلى ابن عمر .
أقول : وهو حديث حسن بطرقه وشواهده ، ولذلك حسنه الترمذي وغيره .