وقال عطاء رحمه الله : مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام ، كيف تشتري
وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج ، وأشباه هذا .
[ فصل ] : قال الله تعالى : ( إن المسلمين والمسلمات ) إلى قوله تعالى : ( والذاكرين
الله كثيرا والذاكرات ، أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) [ الأحزاب : 35 ] .
8 - وروينا في ( صحيح مسلم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" سبق المفردون ، قالوا : وما المفردون يا رسول الله ؟ قال : ( الذاكرون الله كثيرا
والذاكرات ) . قلت : روي ( المفردون ) بتشديد الراء وتخفيفها ، والمشهور الذي قاله
الجمهور التشديد .
واعلم أن هذه الآية الكريمة مما ينبغي أن يهتم بمعرفتها صاحب هذا الكتاب . وقد
اختلف في ذلك ، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : قال ابن عباس : المراد
يذكرون الله في أدبار الصلوات ، وغدوا وعشيا ، وفي المضاجع ، وكلما استيقظ من نومه ،
وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى . وقال مجاهد : لا يكون من الذاكرين الله كثيرا
والذاكرات حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا . وقال عطاء : من صلى الصلوات
الخمس بحقوقها فهو داخل في قول الله تعالى : ( والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) هذا
نقل الواحدي .
9 - وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا - أو صلى - ركعتين جميعا كتبا في الذاكرين الله
كثيرا والذاكرات " هذا حديث مشهور رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم .
قال المصنف رحمه الله : حديث مشهور .
قال السيوطي في ( تحفة الأبرار الأذكار ) : قال الحافظ ابن حجر : قول الشيخ
يعنى النووي - هذا حديث مشهور : يريد شهرته على الألسنة ، لا انه مشهور اصطلاحا ،
فإنه من افراد علي ابن الأقمر عن الأغر . وقوله : ( رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة في
سننهم ) . قال الحافظ ابن حجر : هو كما قال ، لكنهم ذكروا أبا هريرة مع أبي سعيد ، فما
أدري لم حذفه ، فإنهما عند جميع من أخرجه مرفوعا ، وأما من أفرد أب سعيد فإنه أخرجه
موقوفا .
وسئل الشيخ الإمام أبو عمر بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به من
الذاكرين الله كثيرا والذاكرات ، فقال : إذا واظب على الأذكار المأثورة ( 1 ) المثبتة صباحا
هامش
( 1 ) المأثورة : ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقدم عند التعارض الأصح إسنادا : أي : أو نزل
منزلته كالآتي عن الصحابة ، فإنه نزل منزلة ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في أذكار الطواف ، ففضل الاشتغال به فيه على
الاشتغال بالقرآن فيه ، وكما تقدم أن صنيع المصنف يقتضي أن ما جاء من الوارد من الذكر في مكان يسن
الاتيان به ، وسبق ما فيه .