( باب في النميمة )
قد ذكرنا تحريمها ودلائلها وما جاء في الوعيد عليها ، وذكرنا بيان حقيقتها ، ولكنه
مختصر ، ونزيد الآن في شرحه . قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله : النميمة إنما
تطلق في الغالب على من ينم قول الغير إلى المقول فيه ، كقوله : فلان يقول فيك كذا ،
وليست النميمة مخصوصة بذلك ، بل حدها كشف ما يكره كشفه ، سواء كرهه المنقول
عنه ، أو المنقول إليه ، أو ثالث ، وسواء كان الكشف بالقول أو الكتابة أو الرمز أو الإيماء
أو نحوها ، وسواء كان المنقول من الأقوال أو الأعمال ، وسواء كان عيبا أو غيره ، فحقيقة
النميمة : إفشاء السر ، وهتك الستر عما يكره كشفه ، وينبغي للإنسان أن يسكت عن كل ما
رآه من أحوال الناس إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع معصية ، وإذا رآه يخفي مال
نفسه فذكره ، فهو نميمة .
قال : وكل من حملت إليه نميمة وقيل له : قال فيك فلان كذا ، لزمه ستة أمور :
الأول : أن لا يصدقه ، لان النمام فاسق ، وهو مردود الخبر .
الثاني : أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله .
الثالث : أن يبغضه في الله تعالى ، فإنه بغيض عند الله تعالى ، والبغض في الله تعالى
واجب .
الرابع : أن لا يظن بالمنقول عنه السوء ، لقول الله تعالى : ( اجتنبوا كثيرا من
الظن ) [ الحجرات : 12 ] .
الخامس : أن لا يحملك ما حكي لك على التجسس والبحث عن تحقيق ذلك ، قال
الله تعالى : ( ولا تجسسوا ) [ الحجرات : 12 ] .
السادس : أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام ، عنه فلا يحكي نميمته .
وقد جاء أن رجلا ذكر لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه رجلا بشئ ، فقال عمر :
إن شئت نظرنا في أمرك ، فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية : ( إن جاءكم فاسق بنبأ
فتبينوا ) [ الحجرات : 6 ] وإن كنت صادقا ، فأنت من أهل هذه الآية : ( هماز مشاء بنميم )
[ القلم : 11 ] وإن شئت عفونا عنك ، قال : العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدا .
ورفع إنسان رقعة إلى الصاحب بن عباد يحثه فيها على أخذ مال يتيم وكان مالا
كثيرا ، فكتب على ظهرها : النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة ، والميت رحمه الله ،
واليتيم جبره الله ، والمال ثمره الله ، والساعي لعنه الله .
الأذكار النووية — صفحة 348
مساهمون: النووي
ص٣٤٨