أنّه لا يجوز أن يكلّف الأمور الشاقّة إلّا على جهة التعريض للمنفعة ، وإلّا كان ذلك قبيحا ؛ لأنّه لا يجوز أن يقال : إنّه يحسن أن يكلّف على جهة الاستحقاق ؛ لأنّ ذلك يقتضي في كل تكليف وجوب تقدّم تكليف آخر له ، وفي هذا إبطال القول بأنّ للتكليف أوّلا . . . . فلم يبق إلّا أنّه إنّما يكلّف لمنفعة ، لولاها لم يحسن التكليف . وتلك المنفعة يجب أن تكون بمنزلة المدح والتعظيم في أنّها لا يحسن أن تفعل في القدر والصفة إلّا على جهة الاستحقاق ؛ فكما لا يحقّ الابتداء بالتعظيم والمدح إذا بلغا القدر الذي يستحقّه المؤمن ، فكذلك القول في الثواب . ( عبد الجبار ، المغني 11 ، 166 ، 3 ) .
تكليف سمعيّ
* في علم الكلام
- اختلف شيخانا - رحمهما اللّه - فأمّا أبو عليّ - رحمه اللّه - يقول : إنّ العلم لمخبر الأخبار من كمال العقل كالعلم بالمدركات .
وكثيرا ما يجري شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - الكلام في كتبه على هذا الوجه . وقال في بعض الإلهام : إنّ ذلك ليس من كمال العقل ، وإنّ العقل يكمل دونه ويصحّ التكليف مع عدمه . وبيّن أنّه لو كان من كمال العقل لكان الخبر في أنّه طريق العلم بالمخبر عنه كالإدراك ، فكان لا يحتاج إلى تكرّره على السامع ليعلمه . فدلّ ذلك على أنّه بالعادة وإن لم تختلف العادة في عدد المخبرين إذا تساوت أوصافهم . ويجب على هذا القول أن يكون حفظ المدروس والعلم بالصنائع عند ممارستها بالعادة للحاجة فيها إلى التكرّر ؛ إلّا أنّ ذلك وإن كان بالعادة فلا بدّ منه في التكليف السمعيّ ؛ خاصّة إذا كان المكلّف غائبا عن الرسول أو موجودا بعد موته ؛ لأنّ بالخبر يصل إلى معرفة شرائعه وعلمه . ولا بدّ في كثير من التكليف الشرعيّ من الحفظ ليصحّ أن يؤدّي ما كلّف أداؤه ، إلى غير ذلك ، ويقوم بأداء ما كلّف على الوجه الذي كلّف . فأمّا ذكر الإنسان لأحواله السالفة وللأمور العظيمة إذا حدثت فمنزلة استمراره على العلم بالمدركات وإن تقضّى الإدراك في أنّ ذلك من كمال العقل . ( عبد الجبار ، المغني 11 ، 385 ، 14 ) .
تكليف عقليّ
* في علم الكلام
- إنّ تكليف العقل قد ينفكّ من التكليف السمعيّ ، وإنّه الأصل للمعرفة بالسمعيّات ، فلا بدّ من تقدّمه ؛ وكشفنا القول فيه ، فلا يصحّ أن يقال بإيجاب بعثة الرسل ، من هذا الوجه ، ولا من سائر الوجوه التي تكلّمنا عليها ؛ فلم يبق إلّا أنّه تعالى يبعث الرسول للمصالح . ( عبد الجبار ، المغني 15 ، 97 ، 15 ) .
تكليف فعليّ
* في علم الكلام
- أمّا التكليف الفعليّ فإن علم - تعالى - أنّه إذا أظهر الدلالة على تقدّم الإرادة كان فيه زيادة صلاح فإنّه يقدّم الإرادة ، لا محالة .
ومتى لم يكن الحال كذلك لم يجب تقديمها ؛ لأنّ الدلالة إنّما تدلّ من جهة