فإنّ الإجماع يستعمل دليلا قاطعا في تثبيته .
أما وقوع مثل هذا شرعا فموجود ، وأما إطلاعنا عليه فذلك يمكن بأحد وجهين : أما إن كان المجمعون معاصرين لنا فبلقائهم ؛ وأما إن كانوا ممن سلف فبالنقل المستفيض الذي يوقع التصديق . ( ضف ، 90 ، 2 )
- أما الدليل على كون الإجماع حجّة فمأخوذ من جهة النقل من الكتاب والسنّة . فمن ذلك قوله تعالى :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى
( النساء : 115 ) . وهذه أقوى آية في التمسّك بالإجماع . ومنها قوله تبارك وتعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
( البقرة :
143 ) . وقوله :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
( آل عمران : 110 ) . وقوله تعالى :
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
( الأعراف : 181 ) . وهذه الآيات وإن لم تكن واحدة واحدة منها نصّا في كون الإجماع دليلا شرعيّا ، فإنها بمجموعها تقتضي لهذه الأمة التعظيم والتشريف واتباع سبيلهم وموافقتهم والنهي عن مخالفتهم والخروج عن جماعتهم . ( ضف ، 90 ، 12 )
- أما من احتجّ على كون الإجماع حجّة بدليل العقل فضعيف ، لأنه وإن كان يبعد اجتماع الكثير على الكذب ، فغير بعيد اجتماعهم على الخطأ . بل نقول لو بقي من أهل الاجتهاد اثنان أو ثلاثة وأجمعوا على رأي وقع الإجماع بهم لشهادة الشرع لهم بالعصمة ، من حيث ينطلق عليهم اسم الأمة في ذلك الوقت . ( ضف ، 91 ، 8 )
- أما عدد المجمعين فليس فيه شرط سوى أن يكونوا جميع المجتهدين من أهل العلم الموجودين في عصر واحد ، لأنّا لو اشترطنا إجماع أهل الأعصار ، من سلف منهم ومن هو حاضر ومن سيأتي ، لم يقع إجماعا .
( ضف ، 92 ، 7 )
- أما أهل الظاهر . . . يرون الإجماع إنما هو اتفاق الصحابة رضي اللّه عنهم على حكم ما . وذلك لازم لأصولهم لأنهم لا يجوّزون الإجماع بالقياس . وإذا كان هذا هكذا فإنما يقع الإجماع عندهم إما لأثر قد عفا ولم يصل إلينا ، وإما لقرائن وأحوال مشاهدة منه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومثل هذا لا يتصوّر في غير الصحابة . وأما من يجوّز وقوع الإجماع عن القياس فيلزمه الخلاف المذكور . ( ضف ، 92 ، 21 )
- قد يدلّك على أن الإجماع لا يتقرّر في النظريات بطريق يقيني كما يمكن أن يتقرّر في العمليات ، أنه ليس يمكن أن يتقرّر الإجماع في مسألة ما في عصر ما إلّا بأن يكون ذلك العصر عندنا محصورا ، وأن يكون جميع العلماء الموجودين في ذلك العصر معلومين عندنا ، أعني معلوما أشخاصهم ومبلغ عددهم ، وأن ينقل إليها في المسألة مذهب كل واحد منهم نقل تواتر ، ويكون مع هذا كله قد صحّ عندنا أن العلماء الموجودين في ذلك الزمان متّفقون على أنه ليس في الشرع ظاهر أو باطن ، وأن العلم بكل مسألة يجب أن يكتم عن أحد ، وأن الناس طريقهم واحد في علم الشريعة . ( ف ، 37 ، 8 )
- الإجماع لا يصدر إلّا عن دليل : إما توقيف عن النبي عليه الصلاة والسلام ، وإما استدلال من الكتاب والسنّة ، وإما اجتهاد