وإذا كان هذا هو معنى الأسفار وكيفيّة ترقيها ، فماذا قصد الشيرازي بتسميته هذا الكتاب أيضا بالحكمة المتعالية ؟
الحكمة هي العرفان باللّه ، وهي أفضل علم بأفضل معلوم ، وهي من العلوم العالية ، بمقابل الأخسّ من العلوم ، ويجب علينا أن نشتغل بها ونعرض عن غيرها ، وإذا ما قيّض لنا الاشتغال بغيرها ، فهو لتبيان وجه الارتباط بين هذا العلم وبينها هي .
والحكمة المتعالية تعتني فقط بالكشف والذوق بمقابل اعتناء الحكمة المطلقة بالبحث النظري الصرف . فالشيرازي يرى أن طرق المعرفة ثلاث وهي : البرهان ( البحث العقلي الصرف ) - والكشف ( العرفان ) والوحي ( النبوّة ) . والعقل عندما يتدخّل في معرفة المباحث العالية الإلهية ( المسألة الميتافيزيقية ) ، يرى أن هناك طورا أخر وراء طوره ، هو طور الكشف المؤيّد بالوحي الذي لا يخالف البرهان اليقيني . هذا هو المسلك الذي سلكه الشيرازي في أكثر مباحثه وخصوصا في كتاب الأسفار .
والآن ما هي أهمّ المسائل التي أوردها الشيرازي في « الحكمة المتعالية » والتي أصبحت عماد فلسفته ؟ .
1 - أصالة حقيقة الوجود ووحدته :
هل الوجود أمر اعتباري ، أم أنه أمر حقيقي ؟
كان شيخ الإشراق ( السهروردي ) يعتبر أن الوجود هو أمر اعتباري وتابعه في ذلك السيد الداماد أستاذ « صدر المتألّهين » ، والذي أيضا أخذ بهذا الرأي بداية الأمر إلى حين انكشاف الحقيقة له . فصدر المتألّهين يعتبر الوجود أمرا قائما بحدّ ذاته وهو حقيقي أصلي ، وعلى هذا الأساس قامت استدلالاته الفلسفية جميعا . فالموجودات هي الحقائق الواقعة في العين وأنّها وإن تكثّرت وتمايزت إلّا أنّها من مراتب تعيّنات الحق الأول وظهورات نوره .
فجميع الموجودات هي بحسب موجوديّتها رشحات وفيوض ورقائق للوجود الإلهي « وتجلّيات وشؤونات للحقّ الصمدي » .