وإذا قابلت المرآة المرآة الأخرى حلّت صور ما في إحداهما في الأخرى ، وكذلك تظهر صور ما في اللوح المحفوظ إلى القلب إذا كان فارغا من شهوات الدنيا .
فإن كان مشغولا بها كان عالم الملكوت محجوبا عنه . وإن كان في حال النوم فارغا من علائق الحواس طالع جواهر عالم الملكوت فظهر فيه بعض الصور التي في اللوح المحفوظ ، وإذا غلق باب الحواس كان بعده الخيال لذلك يكون الذي يبصره تحت ستر القشر وليس كالحقّ الصريح مكشوفا ، فإذا مات أي القلب بموت صاحبه لم يبق خيال ولا حواس وفي ذلك الوقت يبصر بغير وهم وغير خيال . ( كي ، 12 ، 7 )
- أما القلب فيطلق أيضا بمعنيين : أحدهما ، اللحم الصنوبري الشكل ، المودع في جوف الإنسان من جانب اليسار ، وقد عرف ذلك بالتشريح وهو مركب الدم الأسود ومنبع البخار الذي هو مركب الروح الطبي الحيواني . وهذا يكون لجميع الحيوانات وليس بخاص للإنسان وهو الذي يفنى بالموت جميع الحواس بسببه .
والثاني ، " هو الذي نحن بصدد بيانه " ، هو الروح الإنساني المتحمّل لأمانة اللّه المتحلّي بالمعرفة المركوز فيه العلم بالفطرة الناطق بالتوحيد بقوله بلى ، فهو أصل الآدمي ونهاية الكائنات في عالم المعاد . قال اللّه تعالى :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
( الإسراء : 85 ) وقال :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
( الرعد : 28 ) . ( مع ، 16 ، 18 )
- إعلم أن مثال القلب الذي هو عبارة عن الرّوح المدبّر لجميع الجوارح المخدوم من جميع القوى والأعضاء بالإضافة إلى حقائق المعلومات كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلوّنات ، فكما أن للمتلوّن صورة ومثالا لتلك الصورة ينطبع في المرآة ويحصل فيها فكذلك لكل معلوم حقيقة وتلك الحقيقة صورته فتنطبع في المرآة ، أعني مرآة القلب ، فتتّضح فيه . وكما أن المرآة غير وصورة الأشخاص غير وحصول مثالها في المرآة غير فهي ثلاثة أمور ويحتاج إلى أمر رابع وهو نور بواسطته تنكشف الصورة في المرآة وتظهر ، فكذلك ههنا أربعة أمور : القلب ، وحقائق الأشياء ، وحصول نقش الحقائق في القلب وحضوره فيه ، ونور به تنكشف الحقائق في القلب وهو في الشرع عبارة عن جبريل عليه السلام . وفي عبارة الحكماء عبارة عن العقل بواسطته تفيض العلوم على الأرواح البشرية ، فالعالم عبارة عن القلب الذي يحلّ فيه مثال حقائق الأشياء .
والعلم عبارة عن حصول المثال في المرآة . والنار والشعاع عبارة عن الملك الموكل بإفاضة العلوم على القلوب البشرية ، وكما أن المرآة لا تنكشف ، فيها الصور لخمسة أمور : أحدها لنقصان صورته كجوهر الحديد قبل أن يدوّر ويشكّل ويصقل . والثاني لخبثه وصدئه وكدورته وإن كان تام الشكل . والثالث