وقال البحتري أيضا من قصيدة :
أما راعك الحيّ الحلال بهجرهم * وهم لك غدوا بالتّفرّق أروع
بلى ، وخيال من أثيلة كلّما * تأوّهت من وجد تعرّض يطمع
إذا زورة منهم تقضّت مع الكرى * تنبّهت من وجد له أتفزّع
ترى مقلتي ما لا ترى في لقائه * وتسمع أذني رجع ما ليس تسمع
ويكفيك من حقّ تخيّل باطل * تردّ به نفس الّلهيف فيرجع
قال الآمدي : ( ولست أقول في هذا إلا ما كان البحتري يقوله ) وحدثنا به أبو علي محمد بن العلاء السجستاني أنه كان إذا شرب وسكر ، أنشده مثل هذا وأشباهه من شعره ، وقال : « ألا تسمعون ؟ ألا تعجبون ؟ » .
ويقول : إن الأبيات ناصعة الجمال ، بعيدة المنال . وفي البيت الأخير الذي أوله :
* ويكفيك من حقّ تخيّل باطل *
معنى جليل القدر ، ثقيل الوزن ، له غور عميق ، وأس وثيق . وإنما أراد البحتري : أن الذي يراد من الحق من بلّ الغلّة ، وإمساك الرمق ، وتمتع النفس ، هو في هذا الباطل : فقد تساويا في الغرض المقصود ، الحق فيه مقام الباطل .
وقال البحتري أيضا :
أخيال علوة كيف زرت وعندنا * أرق يشرّد بالخيال الزائر
طيف ألّم بنا ونحن بمهمه * قفز يشقّ على الملمّ الخاطر
أفضى إلى شعث تطير كراهم * روحات قود كالقسيّ ضوامر
حتى إذا نزعوا الدّجى وتسربلوا * من نور هلهلة الصّباح النائر
ورموا إلى شعث الرّجال بأعين * يكسرن من نظر النعاس الفاتر
أهوى فأسعف بالتّحيّة خلسة * والشمس تلمع في جناح الطّائر
سرنا وأنت مقيمة ولربّما * كان المقيم علاقة للسّائر
قال الآمدي :
« وهذا واللّه الكلام العربي ، والمذهب الذي بعد على غيره أن يأتي بمثله » . ونقول : إن الوصف يقصر عن بلاغة هذه الأبيات ، وبراعتها وسلامتها ، وإنما يعجب من طروق