هامش
-وكان فؤادي كبيت هشيم * يبيس رمى فيه رام قبسومنها :ويا جوهر الصين سحقا فقد * عنيت بياقوتة الأندلسثم قال :
وإني لأعرف جارية اشتد وجدها بفتى من أبناء الرؤساء ، وهو لا علم عنده وكثر غمها ، وطال أسفها إلى أن ضنيت بحبه وهو بغرارة الصبا لا يشعر ويمنعها من إبداء أمرها إليه الحياء منه ؛ لأنها كانت بكرا بخاتمها مع الإجلال له عن الهجوم عليه بما لا تدري لعله لا يوافقه ، فلما تمادى الأمر وكانا ألفين في النشأة شكت ذلك إلى امرأة جزلة الرأي كانت تثق بها لتوليها تربيتها ، فقالت لها :
عرّضي له بالشعر ، ففعلت المرة بعد المرة ، وهو لا يأبه في كل هذا ، ولقد كان لقنا ذكيا ، لم يظن ذلك فيميل إلى تنتيش الكلام بوهمه إلى أن عيل صبرها وضاق صدرها ، ولم تمسك نفسها في قعدة كانت لها معه في بعض الليالي منفردين ولقد كان يعلم اللّه عفيفا متصاونا بعيدا عن المعاصي ، فلما حان قيامها عنه بدرت إليه فقبلته في فمه ، ثم ولت في ذلك الحين ولم تكلمه بكلمة ، وهي تتهادى في مشيها كما أقول في أبيات لي :كأنها حين تخطو في تأوّدها * قضيب نرجسة في الروض ميّاس
كأنما خلدها في قلب عاشقها * ففيه من وقعها خطر وسواس
كأنما مشيها مشي الحمامة لا * كدّ يعاب ولا بطء به باسفبهت وسقط في يده وفتّ في عضده ، ووجد في كبده ، وعلته وجمة ، فما هو إلّا أن غابت عنه ، ووقع في شرك الرّدى ، واشتعلت في قلبه النار ، وتصعدت أنفاسه ، وترادفت أوجافه وكثر قلقه ، وطال أرقه ، فما غمض تلك الليلة عينا ، وكان هذا بدء الحب بينهما دهرا ، إلى أن جذّب جملتها يد النوى ، وإن هذا لمن مصائد إبليس وداعي الهوى التي لا يقف لها أحد إلّا من عصمه اللّه عز وجل .
ومن الناس من يقول : إن دوام الوصل يودي بالحب ، وهذا هجين من القول ، إنما ذلك لأهل الملل ، بل كلما زاد وصلا زاد اتصالا . وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظمأ . وهذا حكم من تداوى برأيه وإن رأيه عنه سريع ، ولقد بلغت من التمكن بمن أحب أبعد الغابات التي لا يجد الإنسان وراءها مرمى ، فما وجدتني إلا مستزيدا ، ولقد طال بي ذلك فما أحسست بسآمة ولا أرهقتني فترة ، ولقد ضمني مجلس مع بعض من كنت أحب فلم أجل خاطري في فن من فنون الوصل إلّا وجدته مقصورا عن مرادي ، وغير شاف وجدي ولا قاض أقل لبانة من لباناتي ، ووجدتني كلما ازددت دنوا ازددت ولوعا وقدحت زناد الشوق نار الوجد بين ضلوعي فقلت في ذلك المجلس :وددت بأن القلب شق بمدية * وأدخلت فيه ثم أطبق في صدري
وأصبحت فيه لا تحلين غيره * إلى مقتض يوم القيامة والحشر-