كم مرّة زرتنا وهنا على عجل * سريت فيه وما أسرت مطاياك
حتّى التقينا على رغم الرّقاد وما * ذاك اللّقاء سوى وسواس ذكراك « 1 »
فإن هجرت وقد أخلفت واعدة * فبالذي زرت ما واعدتنا ذاك
* * *
وقال - رضى اللّه عنه - يتوجع [ ويذكر أحبته ] :
أفي دراهم من بعد ما ارتحلوا تبكى * وتشكو ولكن ليس تشكو إلى مشك ؟
فيادمنة الحىّ الذين تحمّلوا * بوادي الغضا ماذا ألمّ بنا منك ؟ « 2 »
خشعت فلا عين تراك لناظر * دثورا ولا نطق يخبّرنا عنك
واذكرتنى والشّيب يضحك ثغره * بلمّتنا عهد الشّبيبة والفتك « 3 »
ليالي لا حلم لذي الحلم والنّهى * ولا نسك فيها يصاب لذي نسك
فلله أفواه لقين أنوفنا * بأذكى - وقد ودّعن - من عبق المسك
وكم من سقيم ليس نرجو شفاءه * بأجراعكم أو من أسير بلا فكّ « 4 »
فقل للألى تاركتهم لاحتقارهم * فأبصرهم كفّى وأطمعهم تركى :
لكم مرّة محّصتكم وخبرتكم * فبهرجكم نقدي وزيّفكم سبكى
فلا يبعدن من كنت بالأمس بينهم * على هضبة الباني وفي ذروة السّمك « 5 »
بلغت بهم ما لم تنله يد المنى * وحكّمت حتّى صرت أحكم في الملك
وجاورتهم شمّ العرانين كلّما * معكت بهم جاروا « سبيلي » في المعك « 6 »
هامش
( 1 ) ورد في « طيف الخيال » ( ص 23 ) ، وورد هو والذي بعده ( ص 95 ) .
( 2 ) الدمنة : ما بقي من آثار الديار بعد الرحيل ، والغضا : شجر شديد الوقود بطئ الخمود .
( 3 ) اللمة ( بالكسر ) ! الشعر المجاوز شحمة الأذن .
( 4 ) الأجراع : الرمال المستوية .
( 5 ) السمك : العلو الصاعد والسقف .
( 6 ) العرانين : الأنوف ، وشم العرانين ؛ كناية عن أنفتهم ، والمعك : المطال واللى ، ومعك خصمه : لواه وقهره ، وفي الأصل « سبيلك » بدل « سبيلي » .