مجلس آخر 58
تأويل آية [ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا ، لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا ، لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
؛ [ مريم : 38 ] .
فقال : ما تأويل هذه الآية ؟ فإن كان المراد بها التعجّب من قوة أسماعهم ونفاذ أبصارهم ؛ فكيف يطابق ما خبّر به عنهم في مواضع كثيرة من الكتاب / بأنهم لا يبصرون ولا يسمعون وأن على أسماعهم وأبصارهم غشاوة ؟ وما معنى قوله تعالى :
لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
؟ أىّ يوم هو اليوم المشار إليه ؟ وما المراد بالضلال المذكور ؟ .
الجواب ، قلنا : أمّا قوله تعالى :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ
؛ فهو على مذهب العرب في التعجّب ؛ ويجرى مجرى قولهم : ما أسمعه ! وما أبصره ! والمراد بذلك الإخبار عن قوة علومهم باللّه تعالى في تلك الحال ؛ وأنهم عارفون به على وجه الاعتراض للشبهة عليه ؛ وهذا يدلّ على أنّ أهل الآخرة عارفون باللّه تعالى ضرورة ؛ ولا تنافى بين هذه الآية وبين الآيات التي أخبر عنهم فيها بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون ؛ وبأن على أبصارهم غشاوة ؛ لأنّ تلك الآيات تناولت أحوال التكليف ، وهي الأحوال التي كان الكفّار فيها ضلّالا عن الدين ، جاهلين باللّه تعالى وصفاته . وهذه الآية تناولت يوم القيامة ؛ وهو المعنىّ بقوله تعالى :
يَوْمَ يَأْتُونَنا
؛ وأحوال يوم القيامة لا بدّ فيها من المعرفة الضرورية . وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
[ ق : 22 ] .
فأما قوله تعالى :
لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
فيحتمل أن يريد تعالى بقوله :
الْيَوْمَ
الدّنيا وأحوال التكليف ؛ ويكون الضلال المذكور إنّما هو الذّهاب عن الدين والعدول عن الحق ، فأراد تعالى أنّهم في الدنيا جاهلون ، وفي الآخرة عارفون ؛ بحيث لا تنفعهم المعرفة . ويحتمل أن يريد تعالى باليوم يوم القيامة ؛ ويعنى تعالى