مجلس آخر 79
تأويل آية [ وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى :
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ
؛ [ التكوير : 8 ، 9 ]
فقال : كيف يصحّ أن يسأل من لا ذنب له ولا عقل ؟ وأيّ فائدة في سؤالها عن ذلك ؟
وما وجه الحكمة فيه ؟ وما الموءودة ؟ ومن أيّ شيء اشتقاق هذه اللفظة ؟
الجواب ، قلنا : أما معنى
سُئِلَتْ
ففيه وجهان :
أحدهما أن يكون المراد أن قاتلها طولب بالحجة في قتلها ، وسئل عن قتله لها ، وبأىّ ذنب كان ؛ على سبيل التوبيخ والتعنيف وإقامة الحجة . فالقتلة هاهنا هم المسؤولون على الحقيقة لا المقتولة ؛ وإنّما المقتولة مسؤول عنها . ويجرى هذا مجرى قولهم : سألت حقي ، أي طالبت به ؛ ومثله قوله تعالى :
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
؛ [ الإسراء : 34 ] ؛ أي مطالبا به مسؤولا عنه .
والوجه الآخر أن يكون السؤال توجّه إليها على الحقيقة على سبيل التوبيخ لقائلها ، والتقريع له ، والتنبيه له على أنّه لا حجة له في قتلها ؛ ويجرى هذا مجرى قوله تعالى لعيسى عليه السلام :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
؛ [ المائدة : 116 ] ، على طريق التوبيخ لقومه وإقامة الحجة عليهم .
فإن قيل على هذا الوجه : كيف يخاطب ويسأل من لا عقل له ولا فهم !
والجواب ، أن في الناس من زعم أن الغرض بهذا القول إذا كان تبكيت الفاعل وتهجينه