مجلس آخر 78
تأويل آية أخرى [ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ . انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ / وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ . انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ / وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
؛ [ الأنعام : 23 ، 24 ] وعن قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
؛ [ الأنعام : 27 ، 28 ] .
فقال : كيف يقع من أهل الآخرة نفى الشرك عن أنفسهم ، والقسم باللّه تعالى عليه وهم كاذبون في ذلك ؛ مع أنهم عندكم في تلك الحال لا يقع منهم شيء من القبيح لمعرفتهم باللّه تعالى ضرورة ؛ ولأنّهم ملجئون هناك إلى ترك جميع القبائح ، وكيف قال من بعد :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
فشهد عليهم بالكذب ، ثمّ علّقه بما لا يصحّ فيه معنى الكذب وهو التمني ؛ لأنهم تمنوا ولم يخبروا !
الجواب ، قلنا : أول ما نقوله : إنّه ليس في ظاهر الآية ما يقتضي أن قولهم :
ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
إنّما وقع في الآخرة دون الدنيا ؛ وإذا لم يكن ذلك في الظاهر جاز أن يكون الإخبار يتناول حال الدنيا ، وسقطت المسألة ؛ وليس لأحد أن يتعلّق في وقوع ذلك في الآخرة بقوله تعالى قبل الآية :
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
[ الأنعام : 22 ] ؛ وأنّه عقّب ذلك بقوله تعالى :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ
؛ فيجب أن يكون الجميع مختصا بحال الآخرة ؛ لأنّه لا يمنع أن تكون الآية تتناول ما يجرى في الآخرة ، ثمّ تتلوها آية تتناول ما يجرى في الدنيا ؛ لأن مطابقة كل آية لما قبلها في مثل هذا