من المراثى المفضّلة المشهورة بالبلاغة والبراعة وهي « 1 » :
إني أتتني لسان لا أسرّ بها * من علو لا عجب منها ولا سخر « 2 »
فظلت مكتئبا حرّان أندبه * وكنت أحذره ، لو ينفع الحذر !
فجاشت النّفس لما جاء جمعهم * وراكب جاء من تثليث معتمر « 3 »
يأتي على الناس لا يلوى على أحد * حتى التقينا ، وكانت بيننا مضر « 4 »
* * *
إنّ الّذي جئت من تثليث تندبه * منه السماح ومنه النّهى والغير « 5 »
هامش
ابن سلامة ؛ كان رئيسا فارسا ، وكان رئيس الأبناء يوم أرمام ، وهو أحد يومى مضر في اليمن وكان يوما عظيما . ( خزانة الأدب 1 : 91 ) .
( 1 ) القصيدة في الأصمعيات 32 - 34 ، وأمالي اليزيدي 13 - 18 ، وجمهرة الأشعار 280 - 283 ، والكامل - شرح المرصفي 8 : 211 - 212 ، وملحقات ديوان الأعشى 266 - 268 ، ونقلها صاحب الخزانة عن الغرر في 1 : 91 - 92 . وذكر أبو العبّاس المبرد خبر هذه القصيدة فقال : « كانت العرب تقدم مراثي وتفضلها وترى قائلها بها فوق كل مؤبن ؛ وكأنهم يرون ما بعدها من المراثى ؛ منها أخذت ، وفي كنفها تصلح ؛ فمنها قصيدة أعشى بأهلة ، ويكنى أبا قحافة التي يرثى بها المنتشر بن وهب الباهلي - وكان أحد رجلي العرب ، وهم السعاة السابقون في سعيهم ، وكان من خبره أنه أسر صلاءة بن العنبر الحارثي ، فقال : افد نفسك ، فأبى فقال : لأقطعنك أنملة أنملة وعضوا عضوا ما لم تفتد نفسك ، فجعل يفعل ذلك به حتّى قتله . ثم حج من بعد ذلك ذا الخلصة ( وهو بيت كانت خثعم تحجه ) ، فدلت عليه بنو نفيل بن عمرو بن كلاب الحارثيين فقبضوا عليه ، فقالوا : لنفعلن بك كما فعلت بصلاءة ، ففعلوا ذلك به ، فلقى راكب أعشى باهلة ، فقال له أعشى باهلة : هل من جائية خبر ؟ قال : نعم ، أسرت بنو الحارث المنتشر - وكانت بنو الحارث تسمى المنتشر مجدعا - فلما صار في أيديهم قالوا :
لنقطعنك كما فعلت بصلاءة ؛ فقال أعشى باهلة يرثى المنتشر . . . » . وأورد القصيدة .
( 2 ) اللسان هنا : الرسالة ، وأراد بها نعى المنتشر ، ولهذا أنث الفعل . وعلو ، يريد من مكان عال ، ورواية لمبرد : « من عل » ( بالضم ) ؛ وفي حاشية الأصل : « لا سخر ، أي لا أقول ذلك سخرية ، وقيل معناه :
ولا سخر بالموت » .
( 3 ) جاشت نفسه ، أي غثت . وتثليث : موضع بالحجاز قرب مكّة ؛ ذكره ياقوت واستشهد بالبيت ومعتمر : صفة لراكب ؛ وهو بمعنى زائر . وفي حاشية الأصل : « جمعهم ، يعنى الذين شهدوا مقتله » .
( 4 ) حاشية الأصل ( من نسخة ) : « يأبى على الناس » ، وفيها أيضا : « لا يلوى على أحد ، أي لم يعرج على أحد حتّى أتاني ؛ لأنى كنت خلصانه » .
( 5 ) أي فقلت للراكب : إن الّذي جئت . . . ، وتندبه :
تبكى عليه ، يقال : ندب الميت ، أي بكى عليه وعدد محاسنه . والغير : اسم من غيرت الشيء فتغير ، أقامه مقام الأمر .