تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
جمع ؛ ألا ترى أنّه ليس في أبنية الجموع شيء على هذا البناء ! ولكنه واحد يراد به الكثرة ؛ ألا ترى أن في الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد ومعناه الجمع ، كقوله تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
؛ [ إبراهيم : 34 ] وكذلك قوله : وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ جاء على « فعل » لأنّ هذا البناء يراد به الكثرة والمبالغة ؛ وذلك نحو « يقظ وندس » ؛ فهذا كأنّ تقديره أنّه قد ذهب في عبادة الشيطان والتذلّل له كلّ مذهب " . قال : " وجاء على هذا لأن « عبد » في الأصل صفة ، وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء ، واستعمالهم إياه استعمالها لا يزيل عنه كونه صفة ؛ ألا ترى أنّ « الأبرق والأبطح » « 1 » وإن كانا قد استعملا استعمال الأسماء حتّى كسّرا هذا النحو عندهم من التكسير في قولهم : « أبارق وأباطح » ؛ فلم يزل عنه حكم الصفة ، يدلّك على ذلك تركهم صرفه ، كتركهم صرف « أحمر » ، ولم يجعلوا ذلك كأفكل وأيدع « 2 » ؛ وكذلك عَبُدَ وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء لم يخرجه ذلك عن أن يكون صفة ، وإذا لم يخرج عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على « فعل » " وهذا كلام مفيد في الاحتجاج لحمزة ؛ فإذا صحت قراءة حمزة وعادلت قراءة الباقين المختارة ، وصح أيضا سائر ما روى من القراءات التي حكاها السائل كان الوجه الأوّل الّذي ذكرناه في الآية يزيل الشبهة فيها . ويمكن في الآية وجه آخر على جميع القراءات المختلفة في
عَبَدَ الطَّاغُوتَ
؛ وهو أن يكون المراد بجعل منهم عبد الطاغوت ؛ أي نسبه إليهم ، وشهد عليه بكونه من جملتهم . ول « جعل » مواضع قد تكون بمعنى الخلق والفعل ؛ كقوله :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
، [ الأنعام : 1 ] ؛ / وكقوله :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً
؛ [ النحل : 81 ] ؛ وهي هاهنا تتعدى إلى مفعول واحد ؛ وقد تكون أيضا بمعنى التسمية والشهادة ؛ كقوله تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
؛ [ الزخرف : 19 ] ؛ وكقول القائل : جعلت البصرة
هامش
( 1 ) الأبرق : أرض فيها حجارة سود وبيض ، والأبطح : الأرض المنبطحة . ( 2 ) الأفكل : الرعدة ، والأيدع : صبغ أحمر ؛ وهو المسمى دم الأخوين .