وجوّ زاهر للرّيح فيه * نسيم لا يروع التّرب ، وان « 1 »
بها سقت الشّباب إلى مشيب * يقبّح عندنا حسن الزّمان
وأنشد إبراهيم بن إسحاق الموصلىّ :
ألا يا حبّذا جنبات سلمى * وجاد بأرضها جون السّحاب !
خلعت بها العذار ونلت فيها * مناي بطاعة أو باغتصاب
أسوم بباطلى طلبات لهوى * ويعذرني بها عصر الشّباب
فكلّ هؤلاء على ما ترى قد أفصحوا بأن سبب حنينهم إلى الأوطان ما لبسوه فيها من ثوب الشباب ، واستظلوه من ظلّه ، وأنضوه من رواحله ، وأنّه كان يعذرهم ويحسن قبائحهم .
فعلى أي شيء يغلو الناس في قول ابن الرومي :
وحبّب أوطان الرّجال إليهم * مآرب قضّاها الشّباب هنالكا « 2 »
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم * عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
ويزعمون أنّه سبق إلى ما لم يسبق إليه ، وكشف عن هذا المعنى مستورا ، ووسم غفلا ! وقوله وإن كان جيد المعنى سليم اللفظ ، فلم يزد فيه على من تقدم ولا أبدع ، بل اتبع ؛ ولكن الجيد إذا ورد ممّن يعهد منه الردىء كثر استحسانه ؛ وزاد استطرافه .
ولقد أحسن البحترىّ في قوله في هذا المعنى :
فسقى الغضى والنّازلية وإن هم * شبّوه بين جوانح وقلوب « 3 »
وقصار أيّام به سرقت لنا * حسناتها من كاشح ورقيب
خضر تساقطها الصّبا فكأنّها * ورق يساقطه اهراز قضيب
هامش
( 1 ) حاشية الأصل : « قوله : « لا يروع الترب » ، من أحسن الكلام ؛ أي لا يرفع فيغير ؛ فكأن هبوبها يسالم التراب ولا يخوفه بأن يرفعه أو يحركه » .
( 2 ) ديوانه الورقة 202 .
( 3 ) ديوانه 1 : 57 .