تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
فإذا لم يكن لهؤلاء القوم الذين أخبر اللّه عن بوارهم مقام صالح في الأرض ، ولا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز أن يقال : فما بكت عليهم السماء والأرض . ويمكن في الآية وجه خامس ، وهو أن يكون البكاء فيها كناية عن المطر والسّقيا ؛ لأن العرب تشبّه المطر بالبكاء ، ويكون معنى الآية أنّ السماء لم تسق قبورهم ، ولم تجد عليهم بالقطر ؛ على مذهب العرب المعروف في ذلك ؛ لأنهم كانوا يستسقون السحائب لقبور من فقدوه من أعزّائهم ، ويستنبتون لمواقع حفرهم الزّهر والرّياض ؛ قال النابغة :
فلا زال قبر بين تبنى وجاسم * عليه من الوسمىّ طلّ ووابل « 1 »
فينبت حوذانا وعوفا منوّرا * سأتبعه من خير ما قال قائل « 2 »
وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام « 3 » ، ومسألة اللّه تعالى لهم الرضوان ، والفعل الّذي أضيف إلى السماء - وإن كان لا يجوز إضافته إلى الأرض - فقد يصحّ عطف الأرض على السماء بأن يقدر لها فعل يصحّ نسبه إليها ، والعرب تفعل مثل هذا ؛ قال الشاعر :
يا ليت زوجك في الوغى * متقلّدا سيفا ورمحا « 4 »
هامش
( 1 ) ديوانه 62 . والرواية فيه :سقى الغيث قبرا بين بصرى وجاسم * بغيث من الوسمىّ قطر ووابلوتبنى وجاسم : موضوعان بالشام . وفي حاشيتي الأصل ، ف : « الوسمى : أول المطر ، وهو الّذي يأتي في الخريف ، والخريف عند العرب ربيع ، والربيع صيف ، والصيف قيظ » . ( 2 ) حاشية ف : « فينبت ، النصب في جواب التمني ، والحوذان : نبت ، يقال له بالفارسية مشكك ، وعوف : نبت أيضا ، ومنورا : أخرج النور » . وقال البطليوسى شارح الديوان : « الحوذان والعوف نباتان ؛ إلا أن الحوذان أطيب رائحة ؛ وأنشد سيبويه هذا البيت بالرفع ؛ ولم يجعله جوابا ؛ أراد : وذاك ينبت حوذانا ، أي ينبت الحوذان على كل حال » . ( 3 ) حاشية الأصل : « قال مولانا عليه السلام عن ابن الأعرابي : إن العرب إنّما تستسقى القبور لأنّها إذا سقيت وعم القطر أعشب المكان ؛ فحضره القوم للرعي ، وترحموا على الموتى » . ( 4 ) حواشي الأصل ، ت ، ف : « روى : « قد غدا متقلدا » ؛ وإذا روى « في الوغى » كان « متقلدا » نصبا على الحال . وقوله : « في الوغى » خبر ليت » .
أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 54 | الشريف المرتضى / محمد ابوالفضل ابراهيم / محمد أبو الفضل إبراهيم