وقال عدىّ بن زيد العبادىّ « 1 » :
أيّها القلب تعلّل بددن * إنّ همّى في سماع وأذن « 2 »
والأذن هو السّماع ، وإنّما حسّن « 3 » تكرير المعنى اختلاف اللفظ . وللعرب في هذا مذهب معروف ، ومثله :
* وهند أتى من دونها النّأى والبعد *
فأما الدّدن فهو اللهو واللعب ، وفيه لغات ثلاث : دد على مثال دم ، وددا على مثال فتى ، وددن على مثال حزن ؛ ومنه قول النبيّ عليه السلام : « ما أنا من دد ولا الدّد منّي « 4 » » .
فإن قيل : كيف يحمل قوله : « لا يأذن اللّه لشيء كإذنه لكذا وكذا » على معنى الإسماع ، وهو تعالى سامع لكلّ شيء مسموع ، فأىّ معنى للاختصاص ؟ قلنا : ليس المراد هاهنا بالإسماع مجرد الإدراك ، وإنّما المراد به القبول ، فكأنّه عليه السلام قال :
إنّ اللّه تعالى لا يتقبّل أو يثيب على شيء من أهل الأرض كتقبّله وثوابه على كذا وكذا ، ومن هذا قولهم : هذا كلام لا أسمعه ، وخاطبت فلانا بكلام فلم يسمعه « 5 » ، وإنّما يريد نفى القبول لا الإدراك ، والبيت الّذي أنشدناه يشهد بذلك ، لأنّه قال :
* وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا *
ونحن نعلم أنّهم يستمعون الذّكر بالخير والشر معا من حيث الإدراك ؛ فوجه الاختصاص ما ذكرناه .
هامش
( 1 ) حاشية ت : « العباد قوم كانوا يخدمون النعمان فسماهم العباد وكان عدى هذا منهم » ؛ وحاشية ف : « قوم اقتطعهم النعمان بخدمته ؛ فكان يقال لهم عباد النعمان ، فنسب عدى إليهم ، « وكان نصرانيا » .
( 2 ) حاشية الأصل : « البعد أقرب من النأى » .
( 3 ) ش ، ف : « وإنّما حسن تكرير المعنى لاختلاف اللفظ » .
( 4 ) في حاشيتي الأصل ، ف : « قوله عليه السلام : « منيه » هذه الهاء للاستراحة ، وهي تدلّ على تأكد امتناعه من اللهو » . وفي ج ، وحاشيتي ت ، ف ( من نسخة ) : « منى » .
( 5 ) في حاشيتي ت ، ف : « ومن هذا الباب قوله : دعوت اللّه حتّى خفت ألا يكون اللّه يسمع ما أقول ؛ أي يجيب » .