وثانيها أن القوم إنّما سألوه عن الرّوح : هل هي محدثة مخلوقة أو ليست « 1 » كذلك ؟
فأجابهم إنها من أمر ربى ، وهو جوابهم عما سألوه « 2 » عنه بعينه ؛ لأنّه لا فرق بين أن يقول في الجواب : إنها محدثة مخلوقة ، وبين قوله إنها من أمر ربّى ؛ لأنّه إنّما أراد أنّها من فعله وخلقه ، وسواء على هذا الجواب أن تكون الرّوح التي سألوا عنها هي التي بها قوام الجسد أم عيسى عليه السلام ، أم جبرئيل صلّى اللّه عليه . وقد سمّى اللّه تعالى جبرئيل روحا ، وعيسى أيضا مسمّى بذلك في القرآن .
وثالثها أنهم سألوا عن الرّوح الّذي هو القرآن ، وقد سمّى اللّه القرآن روحا في مواضع من الكتاب ؛ وإذا كان السؤال عن القرآن فقد وقع الجواب موقعه ، لأنّه قال لهم :
الروح « 3 » الّذي هو القرآن من أمر ربّى ، ومما « 4 » أنزله على نبيه صلّى اللّه عليه ؛ ليجعله دلالة وعلما على صدقه ، وليس من فعل المخلوقين ، ولا ممّن يدخل في إمكانهم ؛ وهذا جواب الحسن البصرىّ .
ويقويه قوله تعالى بعد هذه الآية :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا
. [ الإسراء : 86 ] . فكأنّه قال تعالى : إن القرآن من أمرى وفعلى « 5 » وممّا أنزلته علما على نبوّة رسولي ، ولو شئت لرفعته وأزلته وتصرّفت فيه ؛ كما يتصرّف الفاعل فيما يفعله .
هامش
- لها جباء ؛ وهي من رستاق كارور من ناحية الأهواز ، ويقال لأهل هذه الناحية الربعيون ؛ لأنهم كانوا استنفروا ليقاتلوا الحسين عليه السلام ، فجاءوا وقد فرغ من أمره ، فطلبوا الأجرة ، فقال ابن زياد : إنكم لم تبلوا بلاء ، وأعطى كل واحد منهم ربع دينار . قال دامت أيامه : أخبرني بذلك العراقي العلوي البصري » .
وكانت وفاة أبى على هذا في سنة 306 . ( وانظر ترجمته في ابن خلّكان : 480 - 481 ) .
( 1 ) ف ، حاشية الأصل ( من نسخة ) : « أم ليست » .
( 2 ) ت ، ف : « سألوا عنه » .
( 3 ) حاشية الأصل ( من نسخة ) : « إن الروح » .
( 4 ) ش : « وما أنزله » .
( 5 ) حاشية الأصل : « ليس في الآية دليل على قوله : " وفعلى " ؛ كتب هذا الشيخ عبد الرحيم البغداديّ رحمه اللّه على حواشي نسخة السيّد الإمام » .