28 مجلس آخر [ المجلس الثامن والعشرون : ]
تأويل آية [ : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى :
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
؛ [ البقرة : 210 ] فقال : كيف يصحّ القول بأنّها رجعت عليه وهي لم تخرج عن يده ؟ .
الجواب ، قلنا قد ذكر في ذلك وجوه :
أولها أنّ الناس في دار المحنة والتكليف قد يغترّ بعضهم ببعض ، ويعتقدون فيهم أنهم يملكون جرّ المنافع إليهم وصرف المضارّ عنهم ، وقد تدخل عليهم الشّبه لتقصيرهم في النظر ، وعدولهم عن وجهه وطريقه ، فيعبد قوم الأصنام وغيرها من المعبودات الجامدة الهامدة التي لا تسمع ولا تبصر ، ويعبد آخرون البشر ، ويجعلونهم شركاء للّه تعالى في استحقاق العبادة ؛ ويضيف كلّ هؤلاء أفعال اللّه عزّ وجلّ فيهم إلى غيره ، فإذا جاءت الآخرة ، وانكشف الغطاء واضطرّوا إلى المعارف زال ما كانوا عليه في الدنيا من الضلال واعتقاد الباطل ، وأيقن الكلّ أنّه لا خالق ولا رازق ولا ضارّ ولا نافع غير اللّه تعالى فردوا إليه أمورهم ، وانقطعت آمالهم من غيره ، وعلموا أنّ الّذي كانوا عليه من عبادة غيره ، وتأميله للضّرّ والنفع غرور وزور ، فقال اللّه تعالى :
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
لهذا المعنى .
والوجه الثاني أن يكون معنى الآية في الأمور أنّ الأمور كلّها للّه تعالى ، وفي يده وقبضته من غير خروج ورجوع حقيقيّ ؛ وقد تقول العرب : قد رجع عليّ من فلان مكروه ، بمعنى صار إلى منه ؛ ولم يكن سبق إلى قبل هذا الوقت ، وكذلك يقولون : قد / عاد عليّ من زيد كذا وكذا وإن وقع منه على سبيل الابتداء قال الشاعر :
وإن تكن الأيّام أحسن مرّة * إلى فقد عادت لهنّ ذنوب