بتوليته فولّه ؛ وكان القاسم يأتي الحسن وابن سيرين ، ولم يكن إياس يأتيهما ، فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به ، فقال للشامىّ : لا تسل عنّى ولا عنه ، فو الّذي لا إله إلّا هو إن إياسا أفضل منى وأفقه ، وأعلم بالقضاء ، فإن كنت عندك ممّن يصدّق إنّه لينبغي أن تقبل منى ، وإن كنت كاذبا فما يحلّ لك أن تولّينى وأنا كاذب ؛ فقال إياس للشامىّ : إنك جئت برجل فأقمته على شفير جهنّم ، فافتدى نفسه من النار « 1 » أن تقذفه فيها بيمين حلفها كذب فيها ، يستغفر اللّه منها ، وينجو ممّا يخاف . فقال الشاميّ : أما إذ فطنت لهذا ، فإني أولّيك ، فاستقضاه .
ولما أمضى معاوية بيعة يزيد جعل الناس يقرّظونه ، فقال يزيد لأبيه : ما ندري أنخدع الناس أم يخدعوننا ؟ فقال معاوية : يا بنيّ ، من خدعته فتخادع لك ليخدعك فقد خدعته .
وسمع عبد الملك بن مروان ليلة قبض وهو يجود بنفسه - وقد سمع صوت قصّار - يقول :
ليتني كنت غسالا أعيش بما أكسب يوما بيوم ، فبلغ ذلك أبا حازم فقال : الحمد للّه الّذي جعلهم عند الموت يتمنون ما نحن فيه ، ولا نتمنّى في الحياة ما هم فيه .
وقال الواثق للجاحظ : يا منّانىّ « 2 » ، فقال : لو كان الّذي أضفتنى إليه عبدك ما قدرت على بيعه لكثرة عيوبه ؛ فكيف أكون على دينه « 3 » ! .
و : قال ابن عبّاس رضي اللّه عنه للخوارج - وقد أرسله أمير المؤمنين عليه السلام إليهم :
نشدتكم اللّه ، أيّما أعلم بالتنزيل والتأويل : عليّ أم أنتم ؟ قالوا : عليّ ، قال : أليس تدرون ، لعلّ الّذي حكم به فيكم بفضل علمه على ما تعلمون ! فرجع أكثرهم .
هامش
( 1 ) حاشية ف : « بدل اشتمال من « نفسه » ، أي افتدى قذف نفسه » .
( 2 ) من نسخة بحواشى الأصل ، ت ، ف : « يا مانىّ » ؛ ومانىّ : منسوب إلى مانى ؛ وهو مانى ابن فاتك الحكيم ؛ وأتباعه يعرفون بالمانوية ؛ وهم يزعمون أن العالم مركب من أصلين قديمين : نور وظلمة ؛ وهما أزليان ، ( وانظر تفصيل مذهبهم في الملل والنحل للشهرستاني 143 - 146 ) .
( 3 ) ت : « على ذلك » .