9 مجلس آخر [ المجلس التاسع : ]
تأويل آية « * » [ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ]
إن سأل سائل فقال : ما وجه التّكرار في سورة الكافرين ، وما الّذي حسّن إعادة النفي لكونه عابدا ما يعبدون ؛ وكونهم عابدين ما يعبد ، وذكر ذلك مرة واحدة يغنى . وما وجه التكرار أيضا في سورة الرحمن لقوله تعالى :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
؛ [ سورة الرحمن ] ، الجواب ، يقال له : قد ذكر ابن قتيبة في معنى التّكرار في سورة الكافرين وجها ، وهو أن قال : القرآن لم ينزل دفعة واحدة ؛ وإنّما كان نزوله شيئا بعد شيء ، والأمر في ذلك ظاهر ، فكأن المشركين أتوا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فقالوا له : استلم « 1 » بعض أصنامنا حتّى نؤمن بك ؛ ونصدّق بنبوتك ، فأمره اللّه تعالى بأن يقول لهم :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ . وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
، ثمّ غبروا مدة من الزمان وجاءوه / فقالوا له : اعبد بعض آلهتنا ، واستلم بعض أصنامنا يوما أو شهرا أو حولا ، لنفعل مثل ذلك بإلهك ، فأمره اللّه تعالى بأن يقول لهم :
وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
؛ أي إن كنتم لا تعبدون إلهي إلا بهذا الشرط فإنكم لا تعبدونه أبدا .
وقد طعن بعض الناس على هذا التأويل بأن قال : إنّه يقتضي شرطا وحذفا لا يدلّ عليه ظاهر الكلام ، وهو شرطه في قوله :
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
؛ وإذا كان ما نفاه عن نفسه من عبادته ما يعبدون مطلقا غير مشروط ، فكذلك ما عطفه عليه . وهذا الطعن غير صحيح ، لأنّه لا يمتنع إثبات شرط بدليل ، وإن لم يكن في ظاهر الكلام ، ولا يمتنع عطف المشروط على المطلق بحسب قيام الدلالة .
وعن هذا السؤال ثلاثة أجوبة ؛ كلّ واحد منها أوضح ممّا ذكره ابن قتيبة .
هامش
* لم يذكر في الأصل ، وأثبته عن ت .
( 1 ) حاشية ف : « من استلام الحجر ، وهو التمسح ، ويقال : استلأم الحجر ، والأصل ترك الهمز » لأنّه من السلمة ؛ وهي الحجر ؛ إلا أن استلأم الحجر جرى في كلامهم مهموزا » .