تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
وصف بذلك ، فوجب أن يكون معناها ما ذكرناه ؛ على أنّه لا يمتنع أن يكون معنى الرحمة في الأصل ما ذكرتم « 1 » ، ثمّ انتقل بالتعارف إلى ما ذكرناه كنظائره . وقد وصف اللّه تعالى القرآن بأنّه هدى ورحمة من حيث كان نعمة ، ولا يتأتّى في القرآن ما ظنوه « 2 » ؛ وإنّما وصفت رقة القلب بأنها رحمة ؛ لأنّها ممّا تجاوره الرحمة التي هي النعمة في الأكثر ، وتوجد عنده ، فحلّ محلّ وصف الشهوة بأنّها محبة لمّا كانت توجد عندها المحبة في الأكثر ؛ وليست الرحمة مختصة بالعفو ؛ بل تستعمل في ضروب النّعم ، وصنوف الإحسان ؛ ألا ترى أنّا نصف المنعم على غيره ، المحسن إليه بالرحمة ، وإن لم يسقط عنه ضررا ، ولا تجاوز له عن زلّة ؛ وإنّما سمى العفو عن الضرر وما جرى مجراه رحمة من حيث كان نعمة ؛ لأنّ النعمة بإسقاط الضرر تجرى مجرى النعمة بإيصال النفع ، فقد بان بهذه الجملة معنى الآية ، وبطلان ما ضمنه السائل سؤاله . فإن قيل : إذا كانت الرحمة هي النعمة ، وعندكم أن نعم اللّه تعالى شاملة للخلق أجمعين ، فأىّ معنى لاستثناء
مَنْ رَحِمَ
من جملة المختلفين إن كانت الرحمة هي النعمة ؟ وكيف يصحّ اختصاصها بقوم دون قوم وهي عندكم شاملة عامّة ؟ قلنا : لا شبهة في أنّ نعم اللّه شاملة للخلق أجمعين ؛ غير أنّ في نعمه أيضا ما يختصّ بها بعض العباد « 3 » ، إما لاستحقاق ، أو لسبب يقتضي الاختصاص / فإذا حملنا قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ
على النعمة بالثواب ، فالاختصاص ظاهر ، لأن النعمة به لا تكون إلّا مستحقّة ، فمن استحقّ الثواب بأعماله وصل إلى هذه النعمة ، ومن لم يستحقّه لم يصل إليها . وإن حملنا الرحمة في الآية على النعمة بالتوفيق للايمان واللطف الّذي وقع بعده فعل الإيمان كانت هذه النعمة أيضا مختصّة ، لأنّه تعالى إنّما لم ينعم على سائر المكلّفين بها ؛ من حيث
هامش
( 1 ) ت ، حاشية الأصل ( من نسخة ) : ما ذكر . ( 2 ) س : « قالوه » . ( 3 ) ت : « الخلق » .
أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 74 | الشريف المرتضى / محمد ابوالفضل ابراهيم / محمد أبو الفضل إبراهيم