وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ، لأنه لو أنفق شيئاً لردّ إليه أضعافاً مضاعفة ، وحاز على رضوان اللّه الأكبر . وأيُّ خسارة كهذه الخسارة ، أن يُحْرَم الإنسان ثواب ربه ورضاه ؟ ! . ولا يدل أمر اللَّه بالإنفاق على حاجته إلى ما نملك ، تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً .
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ، ولأننا فقراء يجب علينا أن ننفق حتى يغنينا اللَّه من فضله .
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ، فإذا بخلت أمة عن العطاء ، فإنَّ الربّ يستبدلها بأمة خيراً منها ، تنفق من أموالها ، وتجاهد في سبيل اللَّه ، وتُقدِّم التضحيات تلو التضحيات ، وتصبر وتستقيم .
إنّ توفيق حمل الرسالات الإلهية شرف عظيم لا يُعطيه اللَّه إلَّا لمن استعد لدفع ثمنه ، وثمنه خوض القتال والإنفاق ، فإذا ضعفت أمة عنها قيّض اللَّه لها أمّة أخرى ! . وحول هذا المقطع من الآية جاءت رواية ذكرها أغلب المفسرين وبطرق عديدة :
رُوِيَ أَنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ( ص ) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّه ، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ؟ . وَكَانَ سَلْمَانُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّه فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِ سَلْمَانَ ، فَقَالَ ( ص ) :
« هَذَا وَقَوْمُهُ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مَنُوطاً بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ » « 1 » .
وجاء في رواية أخرى عن الإمام الصادق ( ع ) أنه قال :
« قَدْ وَاللَّهِ أَبْدَلَ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمُ المَوَالِي » « 2 » .
والواقع : إن التاريخ يشهد أنّ رسالة الإسلام حملها بعد العرب شعوب أخرى كالفرس والأتراك ، وإذا خذلها المسلمون اليوم ، فقد يُقيِّض اللَّهُ لها من أقصى الأرض من يحملها ويُؤدي حقَّها ثم لا يكونوا أمثال المسلمين .
هامش
( 1 ) مجمع البيان ، ج 9 ، ص 164 .
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 22 ، ص 52 .
.