ومن هنا فإن الله سبحانه يأمر المؤمن باتباع سبيل من أناب إلى الله ، بعد أن ينهاه عن الاستسلام لضغط العائلة ، فيقول سبحانه : وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ « 1 » .
ومن أناب إلى الله ؛ هم الذين عادوا إلى حظيرة الإيمان بعد ابتعادهم - هم ومجتمعهم وأُسرهم - عنها . وإنّما الاتباع لسبيلهم هو القبول بنهجهم المغاير لمناهج المجتمع الجاهلي . ومنهجهم هو البراءة من الطاغوت ومؤيديه ، ومن ثقافته وأنظمته ، واتخاذ نهج المواجهة ضده بدل الاستسلام له .
وهذا الانتماء لا ينتزع المجاهد من محيطه العائلي انتزاعاً كلياً ، ( إلّا في ظروف المواجهة الحادة ) ، بل يجعل ارتباطه بالمحور الجهادي هو الأصل ، فمنه يستمد ثقافته ويستلم قراراته . بينما يظل عضواً في عائلته نافعاً ، يحسن إليهم ، ويتعاون معهم في أمورهم الحياتية ، ما لم يتناقض مع منهجه الجهادي .
بل يسعى لإقناعهم بالانتماء إلى النهج الجهادي ، ولا ييأس من ذلك ، فعسى الله أن يهديهم إلى السبيل الصحيح .
ويجدر بنا أن نستمع هنا إلى حديث شريف مأثور عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام ، حيث قال :
( بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مِنْ حُسْنِ مَعْرِفَةِ الْعَبْدِ بِالله ، إِذْ لَا عِبَادَةَ أَسْرَعُ بُلُوغاً بِصَاحِبِهَا إِلَى رِضَى الله مِنْ بِرِّ « 2 » الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ لِوَجْهِ الله ، لِأَنَّ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ مُشْتَقٌّ مِنْ حَقِّ الله ، إِذَا كَانَا عَلَى مِنْهَاجِ الدِّينِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَا يَكُونَانِ يَمْنَعَانِ الْوَلَدَ مِنْ طَاعَةِ الله إِلَى مَعْصِيَتِهِ ، وَمِنَ الْيَقِينِ إِلَى الشَّكِّ ، وَمِنَ الزُّهْدِ إِلَى الدُّنْيَا ، وَلَا يَدْعُوَانِهِ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، فَإِذَا كَانَا كَذَلِكَ فَمَعْصِيَتُهُمَا طَاعَةٌ ، وَطَاعَتُهُمَا مَعْصِيَةٌ . . . ) « 3 »
. باء : الهجرة والنصرة :
دار الإسلام هي التي يجتمع فيها المسلمون من أهلها ومن المهاجرين إليها ، وحقوقهم فيها متساوية . فهم أمة واحدة ، وكيان سياسي واحد . وليس لسائر المسلمين المتناثرين في آفاق
هامش
( 1 ) سورة لقمان ، آية : 15 .
( 2 ) في بحارالأنوار ، ج 71 ، ص 77 ، « مِنْ حُرْمَةِ »
( 3 ) مستدرك الوسائل ، ج 15 ، ص 198 .