ونستفيد من هذه البصيرة الأحكام التالية :
أولًا : على كل إنسان أن يجدد النظر في ثقافته وأفكاره ورؤاه الحياتية فور ما يبلغ مرحلة الرشد . فإذا وجد في تراث آبائه وثقافتهم ما يخالف العقل ، فليبحث عن الحقيقة بنفسه .
ثانياً : على الآباء أن يربوا أبناءهم منذ نعومة أظفارهم على التفكير السليم ، وينمّوا فيهم موهبة العقل والحكمة ، ويثيروا فيهم الرغبة في التطلع والبحث .
ثالثاً : إذا دعاك أبواك إلى الخضوع للجبت والطاغوت ، والاستسلام التام للسلطات الظالمة . . فعليك أن تحسن إليهما أيما إحسان ، ولكن دون أن تطيعهما . فإنهما لن يغنيا عنك يوم القيامة من الله شيئاً .
رابعاً : إن لكل جيل الرغبة في استمرار نهجه ، بأن يضفي عليه قداسة شرعية ، وهذا لا يجوز ، لأنّه تشريع وبدعة . فليس الحكم إلّا حكم الله ، وليس لأي رأي أو تقليد أو تجربة قداسة أو شرعية إلهية ، كما لا يجوز للأبناء أن يرضخوا لأي حكم غير إلهي باعتباره حكماً شرعياً .
خامساً : لكي نفقه الدين ، ونبصر حقائقه ، ونعرف أحكامه ، علينا أن نتبع المنهج السليم الذي أمرت به نصوص الدين ذاته . ولا يجب أن نتبع دائماً المنهج الذي اقترحه آباؤنا ، فربما لا يكون ذلك المنهج هو المنهج الإلهي السليم ، أو لعله كانت لآبائنا ظروف خاصة أوحت إليهم بذلك المنهج .
باء : جهاد الأبناء :
قد يتطلع الأبناء إلى حياة الدنيا ، ويتطرفون في تطلعهم إلى حد الخروج من حدود الشريعة ، ويسعون جاهدين إلى استدراج آبائهم إليها . وهنا يجب على الآباء جهادهم للدفاع عن حدود الدين ، محافظة عليهم وعلى أنفسهم . وقد قال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ « 1 » .
وقال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 2 » .
ونجد صورة من صراع الآباء مع أبنائهم من أجل العقيدة في الآية التالية : وَالَّذِي
هامش
( 1 ) سورة المنافقون ، آية : 9 .
( 2 ) سورة التغابن ، آية : 14 .