وهيجّ من أشواقنا كلّ كامن * وأجّج في أحشائنا لاهب النّار
إلا يا لييلات الغوير وحاجر * سقيت بهام من بني المزن مدرار
ويا جيرة بالمازمين خيامهم * عليكم سلام اللّه من نازح الدّار
خليليّ ما لي والزّمان كأنّما * يطالبني في كلّ آن باوتار
فأبعد أحبابي وأخلي مرابعي * وأبدلني من كلّ صفو باكدار
وعادل بي من كان أقصى مرامه * من المجد أن يسمو إلى عشر معشاري
ألم يدر إنّي لا أذل لخطبه * وإن سامني خسفا وأرخص تسعاري
مقامي بفرق الفرقدين فما الّذي * يؤثّره مسعاه في خفض مقداري
وإنّي أمرؤ لا يدرك الدّهر غايتي * ولا تصل الأيدي إلى سبر أغواري
أخالط أبناء الزّمان بمقتضى * عقولهم كيلا يفوهوا بانكاري
وأظهر إنّي مثلهم يستفزّني صروف * اللّيالي باحتلاء وامرار
وإني ضاوي القلب مستوفر النّهى * أسرّ بيسر أو أساء بإعسار
ويضجرني الخطب المهول لقاؤه * ويطربني الشّادي بعود ومزمار
ويصمي فؤادي ناهد الثّدي كاعب * بإسمر خطّار وأحور سحّار
وإنّي لأسخى بالدّموع لوقفة * على طلل بال ودارس أحجار
وما علموا إنّي أمرؤ لا يروعني * توالى الرّزايا في عشيّ وأبكار
إذا دكّ طود الصّبر من وقع حادث * فطود اصطباري شامخ غير منهار
وخطب يزيل الرّوع أيسر وقعه * كئود كوخز بالأسنّة سعّار
تلقّيته والحتف دون لقائه * بقلب وقور في الهزاهز صبّار
ووجه طليق لا يملّ لقاؤه * وصدر رحيب في ورود وإصدار
ولم أبده كيلا يساء لوقعه * صديقي ويأسى من تسعّره جاري
ومعضلة دهماء لا يهتدى لها * طريق ولا يهدي إلى ضوؤها السّاري
تشيب النّواصي دون حلّ رموزها * ويحجم عن أغوارها كلّ مغوار
أجلت جياد الفكر في حلباتها * ووجّهت تلقاها صوائب أنظاري
فأبرزت من مستورها كلّ غامض * وثقّفت منها كلّ أصور موّار
اضرع للبلوى وأغضبي على القذى * وأرضى بما يرضى به كلّ خوّار
وأفرح من دهري بلذّة ساعة * وأقنع من عيشي بقرص وأطمار
زهر الربيع — صفحة 314
مساهمون: السيد نعمة الله الجزائري
ص٣١٤