إدّعاء الصوفيّة
وقال أيضا ومن النّاس من يزعم أنّه بلغ من التّصوّف والتّألّه ، حدا يقدر معه أن يفعل ما يريد بالتّوجّه ، وأنّه يسمع دعاؤه في الملكوت ويستجاب نداؤه في الجبروت ، يسمى بالشيخ والدرويش وأوقع الناس بذلك في التشويش ، فيفرطون ، أم يفرّطون ، فمنهم من يتجاوز حدّ البشر ، وآخر يقع بالسّوء والشرّ ، يحكي من وقائعه ومناماته ما يوقع النّاس في الرّيب ، ويأتي في أخباره ما ينزل منزلة الغيب ، ربّما تسمعه يقول قلت البارحة ملك الروم ونصرت فئة العراق ، وهزّمت سلطان الهند وقلّبت عسكر النّفاق وصرعت فلانا يعني به شيخا آخر نظيره ، أو أفنيت بهمانا يريد به من لا يعتقد أنّه لكبيرة ربّما تراه يقعد في بيت مظلم يسرج أربعين يوما يزعم أنّه يصوم صوما ولا يأكل فيه حيوانا ولا ينام نوما ، وقد يلازم مقاما يردّد تلاوة سورة أيّاما يحسب أنّه يؤدّي بذلك دين أحد من معتقديه ، أو يقضي حاجة من حوائج أخيه ، ربّما يدّعي أنّه سخّر طائفة من الجنّة ووقى نفسه أو غيره بهذه الجنّة ، أفترى على اللّه أم به جنّة ، وكتبت عدّة فقرات سوى هاتين الفقرتين التي لا يحتمل المقام إيرادها ولا يؤثّر في العوام إرشادها فإنّهم الّذين لم يهتدوا بإهداء الأنبياء أولئك كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا .
عبد السلام البصري من عظماء الصوفيّة
كان عبد السّلام البصري من أعاظم الصّوفية فصلّى يوما جماعة في مسجده في البصرة فقال في أثناء صلاته كخ كخ فسأله بعض المأمومين لمّا فرغ فقال إنّي رأيت كلبا مارّا على باب الكعبة فزبرته من هنا فعجب الحاضرون وأقبلوا على تقبيل أياديه ورجليه فأتى رجل منهم إلى امرأته وكانت على دين الشّيعة ، فحكى لها تلك الحكاية الغريبة ، ورغّبها في الدّخول في دين أهل السنّة فقالت بشرط أن يأتي الشّيخ إلى منزلنا للضّيافة فصنعت وليمة ، وحضر الشّيخ ثمّ إنّها وضعت الدّجاج المطبوخ فوق الطّعام إلّا صحن الشّيخ ، فإنّها وضعت الدّجاجة تحت الطّعام فلمّا حضرت المائدة ونظر الشّيخ متأمّلا رأى أن لا دجاج على طعامه فغضب ورفع يده عن الأكل وكانت المرأة تنظر إليه فلمّا رأته على حال الغضب ، دخلت المجلس وأخرجت الدّجاجة من تحت الطّعام وقالت يا شيخ أنت في الصلاة رأيت كلبا مارّا