وأن هذه سنة الله في خلقه ، ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ( 6 ) .
كل هذا يدلنا دلالة قاطعة على أن جلال الاسلام في مبادئه ومثله وليس
في أشخاصه . وأن جلالة الاسلام لا يتأثر بالاشخاص مهما واطأوا على تأييده
أو تواطأوا على هدمه .
أقول : ولو أن أهل الأرض جميعا ومثلهم معهم أجمعوا على حرب
الاسلام ومناصبته العداء ما نقصوه شيئا من جلاله ، ولو أن أهل الأرض جميعا
ومثلهم معهم اعتنقوا مبادئه ما زادوه جلالا على جلاله . فسر هذا الاسلام في
مبادئه المثالية ، وسر هذه المبادئ مشخص في ذات المبادئ نفسها وليس في
الاشخاص . وهذه لفتة لا يدركها إلا الراسخون في العلم .
ومن ثم فإنه لا يضير الاسلام بحال من الأحوال أن يعرض الصحابة
للنقد ، وأن يتناول الباحثون أقوالهم وسير حياتهم وسلوكهم بالتنفيذ
والتحليل . بل إن الاسلام الذي وضع مبادئ العدالة في الاحكام ومبادئ
المساواة بين الاشخاص يبيح ذلك النقد وذلك التحليل ، بل يحث عليه ويأمر
به ما دام ذلك النقد قصد به السعي وراء الحقيقة والدعوة إلى الطريق السوي .
وما لنا نذهب بعيدا عن هذا الذي نقصد إليه ونتوخاه !
وقد رسم لنا المصلح الأكبر محمد عليه السلام هذا المنهاج العادل في
الحكم على الناس جميعا ، حين حثنا بطريق مباشر وغير مباشر [ على ] أن
نستمسك بكلمة الحق لذاة دون مراعاة للاشخاص ، وأن ننصر الحق وإن
كان في جانب الضعيف الحقير ، وأن نكيد للباطل وإن كان في جانب القوي
العظيم ، وأن لا نفرق بين الشريف والوضيع في تنفيذ حدود الله تعالى : وقد
جاء في الأحاديث الصحيحة أن أسامة بن زيد وهو حب رسول الله وابن
حبه استشفع عنده في امرأة من اشراف قريش سرقت ، ولكن المصلح الأكبر
أبى أن يعطل حكم الله فيها ، وأرسل قالته المشهورة الخالدة :
هامش
( 6 ) سورة الأحزاب الآية 62 .