الخليفة ضده ، والبصيرة النافذة بما يؤثر في نفوس الجماهير من الناس ، فإنها إن
كانت قد باغتت الخليفة في تلك المرة باخراج نعل رسول الله لتهييج الجماهير
عليه وأثرت الأثر الذي كانت تتوخاه ، ولم يكن لتكراره مرة ثانية ذلك الأثر على
النفوس ، فإنها في هذه المرة أيضا لم تعدم الوسيلة لإثارة العواطف ضده ، فقد
أضافت إلى ما أخرجت : ثوب رسول الله وشعره ، فكان لها الأثر الفعال في
إثارة الناس على عثمان وتحطيم مركزه كخليفة للمسلمين كما كان ذلك للتي
قبلها .
وفي القصتين جميعا تمكنت أم المؤمنين من أن ترفع عن عثمان الحصانة
التي كان يتمتع بها في المجتمع الاسلامي لمكانه من خلافة رسول الله ، فإنها
قد استطاعت بوسائلها المحسوسة أن تجعله في جانب . وسنة رسول الله وآثاره
وأزواجه في جانب آخر ، وبذلك قد أزالت عنه كل حرمة في النفوس وكرامة
في المجتمع ، فأصبح المسلمون يستسيغون النيل منه ، ثم تعدى أثر ذلك من
شخص الخليفة إلى مقام الخلافة فإنه لم يبق بعد هذا المقام الخلافة أيضا حرمته
الأولى في المجتمع الاسلامي . وبذلك أثرت حتى على من جاء بعده من
الخلفاء .
ومما نرى في هذه الحوادث ، تردي العلاقات بين أم المؤمنين وعثمان من
سيئ إلى أسوأ ، فقد أصبحت من أشد المعارضين له بعد أن كانت من أقوى
مؤيديه ، ومن الجائز أن يكون بدء تنقيص عطائها في خلال هذه المعارك
الكلامية .
وأخيرا فقد حولت هذه الحوادث المتتالية أم المؤمنين من منتقمة لغيرها إلى
ثائرة لكرامتها ، فأصبحت المعركة معركتها أكثر من أن تكون معركة غيرها ،
وأشركت في المعركة أفراد أسرتها حتى قالوا : " وأجلب عليه محمد بن أبي بكر
ببني تيم واعانه على ذلك طلحة بن عبيد الله " ( 68 ) .
هامش
( 68 ) أنساب الأشراف 5 / 68 .