ذلك السنخ ، فلما سمع المنصور ذلك قال : وأنت يا أبا عبد الله عندي أبر
للسماحة وأسلم للنجاحة القابل للغاية ، جزاك الله من ذي رحم أفضل ما جزى
ذوي الأرحام عن أرحامهم ، ثم تناوله بيده فأجلسه على فراشه ثم أمر بطيب
فطيب به لحية جعفر ( ع ) وقال له : قم في حفظ الله تعالى وكفايته ، فخرج ( ع ) فقال المنصور للربيع : الحق جعفر ( ع ) بالكسوة والجائزة ، فلحقه بهما وقال
له : يا جعفر ما قلت حين دخلت وما قلت حين خرجت .
قال ( ع ) قلت : اللهم احرسني بعينك التي لا تنام ، واكنفني بركنك
الذي لا يرام ، ففعل الله تعالى بي ما رأيت وهكذا دأبه صلوات الله عليه مع
المنصور في جميع الأوقات والشهور لا زال يغتنم فيه الفرص ويوقعه في
المحذور والغصص ، وقد طلبه مرارا وعزم على قتله سرا وجهارا ، وحيث لم
يحتم المقدور صرف الله تعالى عنه ذلك البلاء والشرور فلما أحب الله تعالى
شهادته وحضر وقته وأحب لقائه أغار عليه المنصور ، فدس إليه سما نقيعا في
عنب ورمان فأكله سلام الله عليه فجعل يجود بنفسه وقد اخضر لونه وصار يتقيأ
كبده قطعا قطعا حتى قضى نحبه ولقي ربه شهيدا مظلوما ، فلما مات ( ع )
تزعزعت المدينة بسكانها ، وخرجت المخدرات من خدورها وأوطانها ناشرات
للشعور هاتكات للستور شاقات للجيوب خامشات للوجوه لاطمات للخدود
خادشات للنواصي والعيون ، كل تنادي : وا إماماه ، وا جعفراه ، وا سيداه ،
وخرج المساكين والأيتام ينادون : وا ضيعتاه وا محنتاه وا قلة ناصراه .
وبكاه ابنه موسى الكاظم ( ع ) قائلا يا أبتاه من [ لنا ] بعدك وا طول حزناه
وا حسرتاه من بعدك يا أبتاه وا انقطاع ظهراه ، وقد نص على ابنه موسى بن
جعفر وأسر إليه تلك الوصاية وأظهرها وأشهد عليها جملة من الأوصياء
والأعداء ، وقد مر ذكرها سابقا فقام موسى ( ع ) في جهاز أبيه ( ع ) فغسله وحنطه
كما أمره وكفنه وعيناه تهملان دموعا وحمل جنازته ( ع ) إلى البقيع ودفنه جوار أبيه
وعمه ( ع ) .
وفيات الأئمة — صفحة 242
مساهمون: من علماء البحرين والقطيف
ص٢٤٢