الجمل - غلاماً « 1 » كان له أسود يعرف بالجمل ، وكان لو حمل هذا الغلام على سكر « 2 » دجلة لسكرَها ، من ( شدّة بأسه ) « 3 » - وامضوا إلى هذا القبر الذي قد افتتن به الناس ويقولون إنّه قبر عليّ ، حتّى تنبشوه وتجيئوني بأقصى ما فيه .
فمضينا إلى الموضع فقلنا : دونكم وما أمر به . فحفر الحفّارون - وهم يقولون :
« لا حول ولا قوّة إلّاباللَّه العليّ العظيم » في أنفسهم ، ونحن في ناحية - حتّى نزلوا خمسة أذرع ، فلمّا بلغوا إلى الصلابة قال الحفّارون : قد بلغنا إلى موضع صلب ، وليس نقوى بنقره .
فأنزلوا الحبشي ، فأخذ المنقار « 4 » فضرب ضربة سمعنا لها طنيناً شديداً في القبر « 5 » ، ثمّ ضرب ثانية وسمعنا لها طنيناً أشدّ من ذلك ، ثمّ ضرب الثالثة فسمعنا طنيناً أشدّ ممّا تقدّم ، ثمّ صاح الغلام صيحة .
فقمنا فأشرفنا عليه ، وقلنا للّذين كانوا معه : سلوه ما لَه « 6 » . فلم يُجبهم وهو يستغيث . فشدّوه وأخرجوه بالحبل ، فإذا على يده من أطراف أصابعه إلى مرفقه دم - وهو يستغيث لايُكلّمنا ، ولا يُحسن « 7 » جواباً - . فحملناه على البغل ورجعنا طائرين ، ولم يزل لحم الغلام ينتثر « 8 » من عضده وجنبه « 9 » وسائر شقّه الأيمن ، حتّى انتهينا إلى عمّي .
هامش
( 1 ) - « يعني غلاماً » الفرحة .
( 2 ) - سكَر الماء : سدّه . انظر « النهاية : 2 / 383 » .
( 3 ) - « شدّته وبأسه » الفرحة ، والبحار .
( 4 ) - المنقار : حديدة كالفأس يُنقربها « لسان العرب : 5 / 227 » .
( 5 ) - « البرّ » الفرحة .
( 6 ) - « ما باله » الفرحة ، والبحار .
( 7 ) - « ولا يحير » الفرحة ، والبحار .
( 8 ) - « ينتشر » الفرحة .
( 9 ) - « وجسمه » الفرحة .