فاعتللت علّة صعبة خفت منها على نفسي ، ولم يتهيّأ لي ما قصدت له ، فاستنبت المعروف بابن هشام وأعطيته رقعة مختومة ، أسأل فيها عن مدّة عمري ، وهل تكون المنيّة في هذه العلّة أم لا ؛ وقلت : همّي إيصال هذه الرقعة إلى واضع الحجر في مكانه ، وأخذ جوابه ، وإنّما أندبك لهذا .
فقال المعروف بابن هشام : لمّا حصلت بمكّة وعزم على إعادة الحجر بذلت لسدنة البيت جملةً تمكّنتُ معها من الكون بحيث أرى واضع الحجر في مكانه ، وأقمت معي منهم من يمنع عنّي ازدحام النّاس ، فكلّما عمد إنسانٌ لوضعه اضطرب ولم يستقم ، فأقبل غلامٌ أسمر اللّون ، حسَن الوجه ، فتناوله ووضعه في مكانه فاستقام كأنّه لم يزل عنه ، وعلت لذلك الأصوات ، وانصرف خارجاً من الباب ، فنهضت من مكاني أتبعه وأدفع النّاس عنّي يميناً وشمالًا ، حتّى ظُنّ بِي الاختلاط في العقل ، والنّاس يفرِجون لي « 1 » وعيني لا تفارقه حتّى انقطع عن النّاس ، فكنت اسرع السير خلفه ، وهو يمشي على تُؤدة « 2 » السّير ولا ادركه .
فلمّا حصل بحيث لا أحدٌ يراه غيري وقف والتفت إليَّ فقال :
هَاتِ مَا مَعَكَ .
فناولته الرّقعة . فقال من غير أن ينظر فيها « 3 » :
قُلْ لَهُ : لا خَوْفَ عَلَيْكَ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ ، وَيَكُونُ « 4 » مَا لابُدَّ مِنْهُ بَعْدَ ثَلاثِينَ سَنَةً .
قال : فوقع عليَّ الزّمع « 5 » حتّى لم أطق حراكاً ، وتركني وانصرف .
هامش
( 1 ) - في فرج المهموم : « له » .
( 2 ) - التؤدة : التأنيّ والرزانة ، ضدّ التسرّع ( مجمع البحرين : 1 / 278 ) .
( 3 ) - في فرج المهموم والبحار : « إليها » .
( 4 ) - في فرج المهموم : « وسيكون » .
( 5 ) - الزمع : الدهش والخوف ( القاموس المحيط : 3 / 49 الزمع ) .