شرح
للعبد على ما فرّط منه ، والتّوبيخ له على سيّئاته ، والحمد له على حسناته ، ومعاملته في ذلك باستحقاقه . وليس هو كما ذهبت العامّة إليه من مقابلة الحسنات بالسيّئات ، والموازنة بينهما على حسب استحقاق الثّواب والعقاب عليهما ، إذ كان التحابط بين الأعمال غير صحيح ، ومذهب المعتزلة فيه باطل غير ثابت ، وما اعتمده الحشويّة في معناه غير معقول .
والموازين هي التّعديل بين الأعمال والجزاء عليها ، ووضع كلّ جزاء في موضعه ، وإيصال كلّ ذي حقّ إلى حقّه . فليس الأمر في معنى ذلك على ما ذهب إليه أهل الحشو ؛ من أنّ في القيامة موازين كموازين الدنيا ، لكلّ ميزان كفّتان توضع الأعمال فيها ؛ إذ الأعمال أعراض ، والأعراض لايصحّ وزنها ، وإنّما توصف بالثّقل والخفّة على وجه المجاز ، والمراد بذلك أنّ ما ثقل منها هو ما كثر واستحقّ عليه عظيم الثّواب ، وما خفّ منها ما قلّ قدره ولم يستحقّ عليه جزيل الثّواب .
والخبر الوارد في أنّ أمير المؤمنين والأئمّة من ذرّيّته عليهم السلام هم الموازين ، فالمراد أنّهم المعدّلون بين الأعمال فيما يستحقّ عليها ، والحاكمون فيها بالواجب والعدل .
ويقال فلان عندي في ميزان فلان ، ويراد به نظيره . ويقال : كلام فلان عندي أوزن من كلام فلان ، والمراد به أنّ كلامه أعظم وأفضل قدراً ، والّذي ذكره اللَّه تعالى في الحساب والخوف منه إنّما هو المواقفة على الأعمال ، لأنّ من وقف على أعماله لم يتخلّص من تبعاتها ، ومن عفى اللَّه تعالى عنه في ذلك فاز بالنّجاة : « فَمَن ثَقُلَتْ مَوَ زِينُهُ » بكثرة استحقاقه الثّواب « فَأُوْللِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَ زِينُهُ » بقلّة أعمال الطّاعات « فَأُوْللِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خلِدُونَ » [ من سورة المؤمنون 23 : الآية 102 و 103 ] ، والقرآن إنّما انزل بلغة العرب وحقيقة كلامها ومجازه ، ولم ينزل على ألفاظ العامّة وما سبق إلى قلوبها من الأباطيل .
تصحيح الاعتقاد : 114 - 115 .