شرح
وقال اللَّه تعالى مخبراً عن واصفي مُلك ملكة سبأ « وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ » [ من سورة النمل 27 : الآية 23 ] يريدون : لها ملك عظيم ، فعرش اللَّه تعالى هو ملكه ، واستواؤه على العرش هو استيلاؤه على المُلك ، والعرب تصف الاستيلاء بالاستواء ، قال الشّاعر :قد استوى بشر على العراقِ * من غير سيف ودم مهراقِيريد به قد استولى على العراق . فأمّا العرش الّذي تحمله الملائكة ؛ فهو بعض الملك ، وهو عرش خلقه اللَّه تعالى في السّماء السّابعة ، وتعبّد الملائكة عليهم السلام بحمله وتعظيمه ، كما خلق سبحانه بيتاً في الأرض وأمر البشر بقصده وزيارته والحجّ إليه وتعظيمه ، وقد جاء في الحديث أنّ اللَّه تعالى خلق بيتاً تحت العرش سمّاه البيت المعمور تحجّه الملائكة في كلّ عام ، وخلق في السّماء الرّابعة بيتاً سمّاه الضّراح وتعبّد الملائكة بحجّه والتّعظيم له والطّواف حوله ، وخلق البيت الحرام في الأرض وجعله تحت الضّراح .
وروي عن الصّادق عليه السلام أنّه قال : لو القي حجر من العرش لوقع على ظهر البيت المعمور ، ولو القي حجر من البيت المعمور لسقط على ظهر البيت الحرام ، ولم يخلق اللَّه عرشاً لنفسه ليستوطنه ، تعالى اللَّه عن ذلك . لكنّه خلق عرشاً أضافه إلى نفسه تكرمة له وإعظاماً وتعبّد الملائكة بحمله كما خلق بيتاً في الأرض ولميخلقه لنفسه ولاليسكنه ، تعالى اللَّه عن ذلك كلّه . لكنّه خلقه لخلقه وأضافه لنفسه إكراماً له وإعضاماً ، وتعبّد الخلق بزيارته والحجّ إليه .
فأمّا الوصف للعلم بالعرش فهو في مجاز اللّغة دون حقيقتها ، ولاوجه لتأويل قوله تعالى : « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى » بمعنى أنّه احتوى على العلم ، وإنّما الوجه في ذلك ما قدّمناه . تصحيح الاعتقاد : 75 - 78 .