فقال تعالى : « وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ » « 1 » وكانوا أكثر من عشرة آلاف نفر ، فلم يثبت مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منهم إلّاسبعة أنفسٍ : عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد وعبيدة بن أم أيمن ، وروي أيضاً : أيمن بن أم أيمن ، وأسلمه الباقون إلى الأعداء للقتل ، ولم يَخشَوا النار ولا العار ، وآثروا الحياة الدنيا الفانية على دار البقاء ، ولم يستحيوا من اللَّه تعالى ولا من نبيّهم صلى الله عليه وآله وسلم وهو يُشاهدهم عياناً .
وعلّق العلامة المظفر قدس سره على قول الفضل الناصبيّ دفاعاً عن الصحابة الفارّين في الحرب : « هذا قضاء اللَّه في الحرب » ! أراد به بمقتضى مذهبه من الجبر أنّه قضاءٌ حتمٌ ليصحّح فرارهم ، وأمّا قوله : ( ليعلم أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان مؤيّداً . . . . الخ ) فهو مخالفٌ بظاهره لمذهبه من أن أفعال اللَّه تعالى غير معلّلة بالأغراض ، ولو عللّ فرارهم بما اشتملت عليه الآية من إعجابهم بكثرتهم ، وورَدت به الرواية من أنّ أبا بكر هو الذي أعجبته كثرتهم كان أولى .
وأمّا ما نسبه إلى البخاري من رواية البراء فلا يبعد أنّ المراد بها ما رواه في كتاب الجهاد بتغيير يسير « 2 » ، وهو من الكذب الواضح لما تظافرت من الأخبار من فرار المسلمين عامةً إلّاالنادر ، وقد سبق جملة منها في مطلب جهاد أمير المؤمنين عليه السلام « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 25 .
( 2 ) في باب من صَفّ أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته وأستنصر .
( 3 ) ج 3 ص 353 .