تخطي إلى المحتوى الرئيسي

توقيعات الناحية المقدسة — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
شاهدت السباع والهوامّ رابضة في غيض تلك المدينة ، وبنو آدم يمرّون عليها فلا تؤذيهم . فلمّا قدمنا المدينة وأرسى الركب فيها ، وما كان صحبنا من الشوابي والذوابيح من المباركة بشريعة الزاهرة ، صعدنا فرأينا مدينة عظيمة عيناً ، كثيرة الخلق ، وسيعة الربقة ، وفيها الأسواق الكثيرة ، والمعاش العظيم ، وترد إليها الخلق من البرّ والبحر ، وأهلها على أحسن قاعدة ، لا يكون على وجه الأرض من الأُمم والأديان مثلهم وأمانتهم ، حتّى أنّ المتعيّش بسوق يردّه إليه من ابتاع منه حاجة إمّا بالوزن أو بالذراع فيبايعه عليها ثمّ يقول : أيّاً هذا زِنْ لنفسك واذرَع لنفسك . فهذه صورة مبايعاتهم ، ولا يسمَع بينهم لغو المقال ، ولا السَفَه ولا النميمة ، ولا يسبّ بعضهم بعضاً ، وإذا نادى المؤذِّن الأذان ، لا يتخلَّف منهم متخلّف ذكراً كان أو أُنثى ، إلّاويسعى إلى الصلاة ، حتّى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض ، رجع كلّ منهم إلى بيته حتّى يكون وقت الصلاة الأُخرى فيكون الحال كما كانت . فلمّا وصلنا المدينة ، وأرسينا بمشرعتها ، أمرونا بالحضور إلى عند السلطان ، فحضرنا داره ، ودخلنا إليه إلى بستان صوّر في وسطه قبّة من قصب ، والسلطان في تلك القبّة ، وعنده جماعة وفي باب القبّة ساقية تجري . فوافينا القبّة ، وقد أقام المؤذّن الصلاة ، فلم يكن أسرع من أن امتلأ البستان بالناس ، وأُقيمت الصلاة ، فصلّى بهم جماعة ، فلا واللَّه لم تنظر عيني أخضع منه للّه ، ولا ألين جانباً لرعيّته ، فصلّى مَن صلّى مأموماً . فلمّا قضيت الصلاة التفت إلينا ، وقال : هؤلاء القادمون ؟ قلنا : نعم ، وكانت تحيّة الناس له أو مخاطبتهم له : « يا ابن صاحب الأمر » فقال : على خير مقدم .