فكرر كل كلمة من هذا الخبر ثلاث مرات لم يكن ذلك بمكان من الحسن والقبول . وأما
تكرير التسليم فلعله التسليم المراد به الاستئذان ، وقد ثبتت مشروعية تكريره لايقاظ
رب المنزل الذي وقع الاستئذان عليه ، لا أنه كان يكرر السلام الواقع لمحض التحية مثلا
لا يلقى رجلا في طريق فيقوم بين يديه ويسلم عليه ثلاث مرات .
باب الحاكم يشفع للخصم ويستوضع له
عن كعب بن مالك : أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد
فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بيته ، فخرج
إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى : يا كعب ، فقال : لبيك يا رسول الله ، قال :
ضع من دينك هذا وأومأ إليه أي الشطر ، قال : قد فعلت يا رسول الله ، قال : قم فاقضه
رواه الجماعة إلا الترمذي . وفيه من الفقه جواز الحكم في المسجد ، وأن من قيل
له بع أو هب أو أبر فقال قد فعلت صح ذلك منه ، والايماء المفهوم يقوم
مقام النطق .
قوله : سجف حجرته بكسر السين المهملة وفتحها وسكون الجيم وهو الستر
وقيل الرقيق منه يكون في مقدم البيت ، ولا يسمى سجفا إلا أن يكون مشقوق
الوسط كالمصراعين ، والحجرة ما يجعل عليه الرجل حاجرا في بيته . قوله : ضع
من دينك هذا وأومأ إليه فيه دليل على أن الإشارة المفهمة بمنزلة الكلام لأنها
تدل كما تدل عليه الحروف والأصوات ، فيصح بيع الأخرس وشراؤه وإجارته وسائر
عقوده إذا فهم ذلك عنه . قوله : أي الشطر هو النصف على المشهور ، ووقع في
حديث الاسراء ما يدل على أن الشطر يطلق على الجزء ، والمراد بهذا الامر الواقع منه
صلى الله عليه وآله وسلم الارشاد إلى الصلح والشفاعة في ترك بعض الدين ، وفيه فضيلة
الصلح وحسن التوسط بين المتخاصمين . قوله : قد فعلت الخ يحتمل أن يكون نزاعهما
في مقدار الدين كأن يدعي صاحب الدين مقدارا زائدا على ما يقر به المديون ، فأمره صلى
الله عليه وآله وسلم أن يضع الشطر من المقدار الذي ادعاه فيكون الصلح حينئذ عن
إنكار ، ويدل الحديث على جوازه . ويحتمل أن يكون النزاع بينهما في التقاضي باعتبار