سامِعاً بعدَ الموت ورَفعَتهُ بعد الضِعَة ، ونَعشَتهُ بعد الصَرعَة ، واغْنتَهُ بعدَ الفقر ، وجَبَرتهُ بعد الكسر ، وايقَظَتهُ بعدَ الغفلة ، وبقيَت في قلبه ففجّرت يَنابيع الحياة فسالتُ منه أودية الحكمة ، ونبتت فيه غرائس الحكمة إذا وافق ذلك القضاء من الله عزّوجلّ .
قال له عيسى : نعَم يا عبد الله ، ان مثلك مَن يستدعي من العالم الكلام ، ولا بَأس عليك .
وأما أنتَ اعلم أن هذه المفقودة الماضية بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعند الله أحتَسبها ، ثم نهَضَ ودمُوعُه تَنحدرُ على لمته ، فتَلَقّوهُ الجماعة وصاروُا بين عاذر وعاذل ، فقال لهم : رويداً فان القلوب إذا خلَت قالت وإذا كرهت مالت ، الَستُم تعلمون انه لما توفيت أم المؤمنين خديجة الكبرى جزع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جَزَعاً شديداً ، حتى اني اشْفَقتُ عليه من شدّة الجزَعَ ، فقلتُ له : يا رسول الله انتَ والله القبلة واليك الإشارة وبك القُدوَة وعليك المعتَمد ومنك التعليم وأنت السراج إذا ضللنا ، وانتَ الصلاح إذا فَسدنا ، وأنت الهادي إذا تهْنا ، وحولَكَ حاسدٌ وحاقد ، ومُحبّ وواجد ، وقريش شاخصة الابصار إليك ، مُصغية الآذان نحوك ، وبعد فأنتَ يا رسول الله ممن إذا قال فعَل ، وإذا أمر عمل .
فقال لي : مهَلا يا ابا الحَسَن بَردتَ دمعي وسكنت جَزَعي .
ثم إنه ( صلى الله عليه وآله ) صار يُحب الخَلَوة بنفسه ، ويتطرّق الأمكنة الخالية ، فبينما هو ذات يوم بظاهر مكة شَرّفها الله تعالى إذ سمع هاتفاً ينشد بيتاً من الشعر وهو :
وكُلُّ ذي سَفرة يَؤُبُ * وغائِبُ الموَتِ لا يَؤُبُ
فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ان من الشعر لِحكمة .