قرآنيته لا يستلزم انتفاء حجيته على فرض شرطية التواتر ، لأن الحجة ثبت بالظن
ويجب عنده العمل ، وقد عمل الأئمة بقراءة الآحاد في مسائل كثيرة منها قراءة
ابن مسعود : فصيام ثلاثة أيام متتابعات . وقراءة أبي : وله أخ أو أخت من أم . ووقع
الاجماع على ذلك ولا مستند له غيرها . وأجابوا أيضا بأن ذلك لو كان قرآنا لحفظ
لقوله تعالى : * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) * ( الحجر : 9 ) وأجيب بأن كونه غير محفوظ
ممنوع ، بل قد حفظه الله برواية عائشة له ، وأيضا المعتبر حفظ الحكم ، ولو سلم انتفاء
قرآنيته على جميع التقادير لكان سنة لكون الصحابي راويا له عنه صلى الله عليه
وآله وسلم لوصفه له بالقرآنية وهو يستلزم صدوره عن لسانه ، وذلك كاف في الحجية
لما تقرر في الأصول من أن المروي آحاد إذا انتفى عنه وصف القرآنية لم ينتف وجوب
العمل به كما سلف . واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) * ( النساء : 23 ) وإطلاق
الرضاع يشعر بأنه يقع بالقليل والكثير ، ومثل ذلك حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم
من النسب . ويجاب بأنه مطلق مقيد بما سلف ، واحتجوا بما ثبت في الصحيحين عن
عقبة بن الحرث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب الذي سيأتي في باب شهادة
المرأة الواحدة بالرضاع ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستفصل عن الكيفية
ولا سأل عن العدد . ويجاب أيضا بأن أحاديث الباب اشتملت على زيادة على ذلك
المطلق المشعور به من ترك الاستفصال فيتعين الاخذ بها ، على أنه يمكن أن يكون ترك
الاستفصال لسبق البيان منه صلى الله عليه وآله وسلم للقدر الذي يثبت به التحريم
. ( فإن قلت ) حديث : لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء يدل على عدم اعتبار الخمس
لأن الفتق يحصل بدونها . قلت : سيأتي الجواب عن ذلك في شر الحديث ، فالظاهر ما
ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس . وأما حديث : لا تحرم الرضعة والرضعتان وكذلك
سائر الأحاديث المتقدمة في الباب الأول وقد سبق ذكر من ذهب إلى العمل بها ،
فمفهومها يقتضي أن ما زاد عليها يوجب التحريم ، كما أن مفهوم أحاديث الخمس أن
ما دونها لا يقتضي التحريم فيتعارض المفهومان ويرجع إلى الترجيح ، ولكنه قد
ثبت عند ابن ماجة بلفظ : لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس كما ذكره المصنف ، وهذا
مفهوم حصر وهو أولى من مفهوم العدد . وأيضا قد ذهب بعض علماء البيان
كالزمخشري إلى أن الاخبار بالجملة الفعلية المضارعية يفيد الحصر ، والاخبار عن الخمس
نيل الأوطار — صفحة 117
مساهمون: الشوكاني
ص١١٧