امرأة واحدة من الصحابة ، وهذا لا ينكره من له أدنى نصيب من علم السنة ، ولم
ينقل أيضا عن أحد من المسلمين أنه يرد الخبر بمجرد تجويز نسيان ناقله ، ولو كان
ذلك مما يقدح به لم يبق حديث من الأحاديث النبوية إلا وكان مقدوحا فيه ، لان
تجويز النسيان لا يسلم منه أحد ، فيكون ذلك مفضيا إلى تعطيل السنن بأسرها ، مع
كون فاطمة المذكورة من المشهورات بالحفظ ، كما يدل على ذلك حديثها الطويل في
شأن الدجال ، ولم تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا مرة واحدة
يخطب به على المنبر فوعته جميعه ، فكيف يظن بها أن تحفظ مثل هذا وتنسى أمرا
متعلقا بها مقترنا بفراق زوجها وخروجها من بيته ؟ واحتمال النسيان أمر مشترك
بينها وبين من اعترض عليها ، فإن عمر قد نسي تيمم الجنب وذكره عمارة فلم يذكر
، ونسي قوله تعالى : * ( وآتيتم إحداهن قنطارا ) * ( النساء : 2 ) حتى ذكرته امرأة . ونسي : * ( إنك ميت وإنهم
ميتون ) * ( الزمر : 30 ) حتى سمع أبا بكر يتلوها ، وهكذا يقال في إنكار عائشة ، وهكذا قول مروان :
سنأخذ بالعصمة ، وهكذا إنكار الأسود بن يزيد على الشعبي لما سمعه يحدث بذلك
ولم يقل أحد منهم أن فاطمة كذبت في خبرها ، وأما دعوى أن سبب خروجها كان
لفحش في لسانها كما قال مروان لما حدث بحديثها : إن كان بكم شر فحسبكم ما بين
هذين من الشر ، يعني أن خروج فاطمة كان لشر في لسانها ، فمع كون مروان ليس
من أهل الانتقاد على أجلاء الصحابة والطعن فيهم ، فقد أعاذ الله فاطمة عن ذلك
الفحش الذي رماها به ، فإنها من خيرة نساء الصحابة فضلا وعلما ومن المهاجرات
الأولات ، ولهذا ارتضاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحبه وابن حبه أسامة ،
وممن لا يحملها رقة الدين على فحش اللسان الموجب لاخراجها من دارها ، ولو صح
شئ من ذلك لكان أحق الناس بإنكار ذلك عليها رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم . قوله : لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا فيه دليل على وجوب النفقة للمطلقة
بائنا إذا كانت حاملا ، ويدل بمفهومه على أنها لا تجب لغيرها ممن كان على صفتها في
البينونة ، فلا يرد ما قيل إنه يدخل تحت هذا المفهوم المطلقة الرجعية إذا لم تكن
حاملا ، ولو سلم الدخول لكان الاجماع على وجوب نفقة الرجعية مطلقا مخصصا
لعموم ذلك المفهوم . قوله : واستأذنته في الانتقال فأذن لها فيه دليل على أنه يجوز
للمطلقة بائنا الانتقال من المنزل الذي وقع عليها الطلاق البائن وهي فيه ، فيكون
نيل الأوطار — صفحة 107
مساهمون: الشوكاني
ص١٠٧